مع استمرار التدهور في الوضع الأمني، واتجاه المشهد السياسي العراقي نحو المزيد من التعقيد، بسبب إخفاق الكتل السياسية الفائزة في تشكيل الحكومة العراقية المقبلة، وارتفاع مستوى المهاترات بينها، رغم مرور أكثر من خمسة شهور على الانتخابات، تجدد الولايات المتحدة التزاماتها بشأن انسحاب قواتها القتالية وفق الجدول الزمني المتفق عليه. هذا في الوقت الذي تحذر فيه قيادات أمنية عراقية مسؤولة من خطورة ذلك، لعدم جاهزية الجيش لمواجهة مهماته.
الجنرال رالف بيكر قائد القوات الأميركية في وسط وشمال العراق، يرى بأنه بحلول 31 ديسمبر2011، وهو الموعد النهائي لانسحاب القوات الأميركية من العراق، «ستكون قوى الأمن العراقية قادرة على حفظ الأمن الداخلي، وسيكون لديها الحد الأدنى من القدرة على توفير الأمن الخارجي».
في هذا السياق أدلى رئيس أركان الجيش العراقي بابكر زيباري، قبل بضعة أيام، بتصريحات خطيرة مفادها أن الجيش العراقي بحاجة إلى الدعم الأميركي، وأن على السياسيين العراقيين اللجوء إلى استخدام أساليب أخرى لملء الفراغ الذي يسببه انسحاب القوات القتالية الأميركية، مؤكداً أن الجيش العراقي «لن يكون قادراً تماماً على تولي الملف الأمني قبل عام 2020».
وقد سبق لوزير الدفاع العراقي عبد القادر العبيدي، أن أشار إلى وجود خلل في أداء القوات العراقية، وذكر أن «مفهوم الجاهزية يتعلق بدرجة الاستعداد القتالي وتكامل قوات الإسناد والاتصالات والخدمات، للقوات المسلحة البرية والجوية والبحرية».
كما أكد، أكثر من مرة، في لقاءاته مع لجنة الأمن والدفاع في مجلس النواب المنتهية ولايته، وكذلك عند استضافته من قبل المجلس نفسه، على أن «القوات العراقية لن تتمكن من حماية الحدود الإقليمية بعد انسحاب القوات الأميركية»، وأن «العراق سيعتمد على الولايات المتحدة الأميركية في ما يتعلق بالجهد الاستخباراتي».
على المستوى السياسي، يعكس رئيس الوزراء المالكي غير ذلك، فقد صرح قائلاً «أصبح لدينا جيش يمتلك العدة والعدد والتدريب والقدرة على حماية أمن العراق وسيادته». وأضاف بأن «العراق يتغلب على نقص الأسلحة والتجهيزات بديمقراطيته والروح المعنوية لمنتسبي قوات الأمن». وهذا في الحقيقة تقييم غير موضوعي، لا يرقى في أهميته إلى ما يراه المهنيون الذين ينتمون إلى المؤسسة العسكرية.
تصريح بابكر زيباري يعكس مدى الإهمال الذي لقيته المؤسسة العسكرية على مدى السنوات المنصرمة، منذ قرار حل الجيش العراقي، ويعكس كذلك مدى الاستهانة بالأمن الوطني العراقي، في أخطر مرحلة يمر بها العراق وهو في أضعف حالاته، في الوقت الذي تتهدده أخطار لا يستهان بها من بعض دول الجوار. كما يسدد هذا التصريح ضربة قوية لرئيس الوزراء المالكي، الذي طالما اعتبر الملف الأمني أبرز منجزاته.
رد الفعل الأميركي على تصريح زيباري جاء سريعاً ومباشراً، فقد سارعت الإدارة الأميركية إلى التأكيد على أن انسحاب القوات الأميركية المقرر في نهاية أغسطس الجاري، لن يترك فراغاً أمنياً في العراق، كما أكد وزير الدفاع الأميركي غيتس أن بلاده على استعداد لمراجعة الاتفاقية الأمنية الموقعة مع العراق (صوفا) في نوفمبر 2008، بعد تشكيل الوزارة العراقية.
السؤال الذي يطرح نفسه في هذا الصدد: لِمَ يحصل ذلك؟ أهو قصور أم تقصير؟ ومن هي الجهات التي تكسب من وراء جعل العراق قزماً في المجال العسكري؟
وجد القائمون على الشأن العراقي أن بناء الجيش الجديد يتطلب تنفيذ مهمتين أساسيتين؛ أولاهما الانتقال إلى عقيدة عسكرية جديدة لم تكن معتمدة على مدى خمسة عقود من الزمن في العراق، وثانيتهما تسليح هذا الجيش بأسلحة حديثة (معظمها أميركية) تنسجم مع العقيدة العسكرية الجديدة، وبالقدر الذي يضمن قدرته على حفظ سيادة العراق والتصدي للطامعين ببعض أراضيه أو بعض ثرواته. وغني عن البيان ذكر ما يتطلبه ذلك من جهد كبير، ومن توافر تخصيصات مالية مناسبة وتوافر النوايا الحسنة.
من الصعب تجاهل حقيقة أن استراتيجية بناء الجيش العراقي لا تنفصل عن الفلسفة التي تكمن خلف بناء الدولة العراقية الجديدة، فالقرار الرئيسي حول شكل هذه الدولة قد اتخذته الولايات المتحدة التي لم تجد ضرراً، بحكم براغماتيتها، في مراعاة بعض الاعتبارات الإقليمية.
العوامل التي أعاقت وتعيق بناء جيش عراقي بالمستوى المطلوب كثيرة، بعضها خارجي وبعضها الآخر داخلي. فعلى مستوى الخارج هناك أمن إسرائيل الذي يعتبر حجر الزاوية في الاستراتيجية الأميركية في الشرق الأوسط، وهناك ضغوط بعض دول الجوار التي يهمها أن لا يعود الجيش العراقي إلى ما كان عليه.
أما على مستوى الداخل، فهناك قوى داخلية بدوافع مختلفة تسعى إلى تحجيم هذا الجيش، سواء من حيث عدد أفراده أو نوعية سلاحه. فالقيادات الكردية لا تخفي تحفظها على بناء جيش قوي، وذلك لأن العلاقات بين بغداد وأربيل لا تخلو من التشكك بصفاء النوايا، إذ لا يزال إرث الماضي المخضب بالدماء قابعاً في الأذهان.
كما أن إيران التي خاضت حرباً ضروساً مع الجيش العراقي على مدى سنوات طويلة في ثمانينات القرن المنصرم، يهمها هي الأخرى أن يبقى هذا الجيش كسيحاً، وليس من المستبعد أن تسعى لتحجيمه من خلال مقربين إليها، لهم مواقع هامة في مؤسسات صناعة القرارات.
ولكن بعض هذه المخاوف التي تعيق بناء جيش عراقي عصري، يصطدم بحقيقة أن الجيش لم يكن صاحب القرار وراء الحروب التي خاضها، فهو جهاز تنفيذي ليس إلا، والقرارات في جميع الحالات يتخذها من يمتلك السلطة السياسية.
هناك شكوك جدية حول قدرات العراق على الدفاع عن سيادته، وقد يكون بحاجة حقيقية إلى الحماية بعد الانسحاب الأميركي، فالجيش العراقي الجديد صغير العَدد ضعيف العُدد، ولا بد من توفير تدابير إقليمية فعالة لتلبية حاجاته الأمنية.
وهذه من مسؤوليات الأمم المتحدة، التي رفضت مؤخراً رفع الوصاية عليه في القرار الذي اتخذه مجلس الأمن في الرابع من أغسطس الجاري، بتمديد إبقائه تحت طائلة الفصل السابع من ميثاقها لمدة عام آخر ينتهي مع نهاية يوليو 2011.
كاتب عراقي
