وقّعت تركيا واذربيجان في 7 يونيو/ حزيران الماضي، اتفاقا هاما حول الغاز في سياق استراتيجي معقّد، بسبب التنافس حول الطاقة بين الأوروبيين والروس والأميركيين. ويعيد الاتفاق تحديد كميّة الغاز التي ستقوم باكو بتزويد تركيا بها، عندما تبدأ المرحلة الثانية من استثمار حقول شاه دونيز 2 في منطقة بحر قزوين، والمرتقبة في أفق عام 2017.
كما جرى الاتفاق على قيمة العمولة التي ستتقاضاها تركيا، مقابل مرور الغاز الأذربيجاني إلى أوروبا. وسيكون بمقدور أذربيجان أن تصدّر بموجب الاتفاق حتى 2,1 مليار متر مكعّب عبر تركيا، وتبيع الباقي إلى بلدان أخرى. وقد أعاد الاتفاق النظر أيضا في سعر الغاز الذي ستبيعه أذربيجان إلى تركيا، والذي سيزداد من 120 إلى 300 دولار لكل 1000 متر مكعّب. للإشارة لم يتم الإعلان رسميا عن السعر الجديد.
ومنذ معرفة خبر الاتفاق، رحّبت المجموعات الدولية المكلّفة ببناء نابوكو، أي مشروع أنابيب الغاز التي تربط منطقة بحر قزوين بالأسواق الأوروبية، بذلك التقدم الهام. ثمّ جرى في 17 يونيو/ حزيران الماضي، أي بعد عشرة أيام من ذلك الاتفاق، توقيع وثيقة أخرى تخص مرور الغاز الأذربيجاني إلى إيطاليا عبر تركيا واليونان. هذه الاتفاقات الأخيرة، تندرج في سياق مفاوضات دولية خاصّة بملفات الطاقة المتطوّرة باستمرار، على خلفية منافسات عميقة وحادّة.
هذه الملفات تؤكّد الدور الجوهري لتركيا، في ما يتعلّق بمرور مواد الطاقة نحو أسواق أوروبا الغربية المتعطّشة لها. المثير للدهشة هو أن الاتحاد الأوروبي، لم يتوصل إلى صياغة سياسة مشتركة للطاقة فحسب، بل إنه يرفض حتى الآن فتح مسألة «الطاقة» في المفاوضات الجارية مع تركيا منذ عام 2005 للانضمام إليه. وتركيا ليست راضية بالطبع عن ذلك الرفض، لكنها تعرف كيف تستفيد منه لممارسة الضغط على شركائها الأوروبيين، عبر توقيع اتفاقيات في صيف 2009 مع المجموعة المكلّفة ببناء خط أنابيب نابوكو، ومع روسيا التي تتبنّى مشروع بناء خط أنابيب منافس. الأتراك ينظرون للمشروعين من زاوية تكاملهما، وليس من زاوية تنافسهما.
وعندما زار الرئيس الروسي ميدفيديف تركيا في مايو/ أيار الماضي، وقّع البلدان عشرات الاتفاقات التي يخصّ العديد منها مجال الطاقة. وكذلك ظهر تغيير في طبيعة العلاقات بين أنقرة وموسكو، عبر مشاركة روسيا في عملية طلب عروض لدى وزارة الدفاع التركيّة، من أجل منظومة للدفاع الجوّي. وستقوم روسيا ببناء المفاعل النووي التركي الأول.
إن الاتفاق التركي ـ الأذربيجاني الموقّع في 7 يونيو/ حزيران الماضي، يتجاوز مجال الطاقة حصرا، ويشير إلى إعادة تأكيد قوّة العلاقات بين البلدين، والتي كانت قد اهتزّت عند توقيع الاتفاق حول تطبيع العلاقات بين تركيا وأرمينيا في شهر أكتوبر/ تشرين الأول 2009، وحيث كانت باكو قد هددت بتطبيق السعر الدولي للغاز على مبيعاتها لتركيا.
وقد فعلت تلك الضغوط فعلها، إذ شددت تركيا من مواقفها حيال أرمينيا، ورهنت تطبيع العلاقات معها بتسوية مسألة قرباخ العليا التي تعتبرها أذربيجان جزءاً منها، وانسحاب القوات الأرمينية من المناطق الأذربيجانية المحتلّة. ولهذا السبب جمّد الرئيس الأرميني تصديق برلمانه على الاتفاقين الموقعين مع تركيا.
وبالتوازي، عرفت علاقات أذربيجان مع الولايات المتحدة قدرا كبيرا من البرودة، ذلك أن واشنطن دعمت بقوّة التقارب التركي ـ الأرميني. لكن هناك مؤشرات تبرهن على الأهميّة الكبيرة التي توليها الولايات المتحدة للمنطقة القوقازية عامّة ولأذربيجان خاصّة، وعلى رأس هذه المؤشرات هناك تعيين سفير أميركي جديد في أذربيجان، كان ممثلا للولايات المتحدة في المجموعة التي ترأسها مع روسيا وفرنسا،.
ومهمتها تسوية مسألة قرباخ العليا، كما كان مسؤولا سابقا في وزارة الخارجية الأميركية عن مسائل الطاقة في أوروبا والمناطق الآسيوية المجاورة لها؛ وزيارة روبرت غيتس إلى باكو بتاريخ 6 يونيو/ حزيران الماضي لتأكيد دعمه لأذربيجان، التي تمر عبرها نسبة 25% من العتاد والتجهيزات الأميركية إلى أفغانستان؛ وأخيرا زيارة هيلاري كلينتون في مطلع شهر يوليو/ تموز الماضي إلى باكو.
هذه العناصر كلّها تبيّن أن الاتفاق التركي ـ الأذربيجاني، يتجاوز ميدان الطاقة كي يندرج في سياق جيوسياسي إقليمي. إنه يؤكّد الدور التركي، ويعيد تأكيد أن روسيا تبقى قوّة إقليمية راجحة، ويبيّن الاهتمام الأميركي الكبير بالمنطقة.
وللمفارقة، يجد الاتحاد الأوروبي، صاحب المصلحة الكبيرة على صعيد الطاقة في منطقة قريبة منه، صعوبة في صياغة اقتراحات محددة.. وبالتالي عليه أن يدرك مدى أهمية تركيا لمصالحه نفسها.
المدير المساعد لمركز العلاقات الدولية والاستراتيجية ـ باريس