أطفالنا هم زينة حياتنا الدنيا، لكن كثيرين من الآباء لا يعرفون كيف يتعاملون مع هذه الزينة، أو كيف يحافظون عليها، ونجدهم يطفئون شمعتها قبل أوانها دون أن يشعروا أو يقصدوا، ويجعلون منها بابا مفتوحاً للهم الذي لا يفتأ يفتح لنفسه أبوابًا لا نهاية لها في نفوسنا بإلحاح طالب دَيْن، ويزداد الطين بلّة حين يجد منا تجاوبًا يسهل فعله في نفوسنا.

إن من متع الحياة الدنيا النظر إلى وجه طفل، بما يتوافق ـ على نحو سطحي إلى حد ما ـ مع معنى الآية القرآنية «المال والبنون زينة الحياة الدنيا»، ولا يهم إن كان وجهه حين ننظر إليه مبتسمًا سعيدًا أو متجهمًا تعيسًا، ضاحكًا فرحًا أو باكيًا حزينًا، فوجه الطفل يبعث البهجة في النفس في كل الأحوال، وفي أي زمان ومكان.

ومع أني أدرك جيدًا أن وجه الطفل باكيًا لا يمكن أن يُقارَن بجمال وجهه ضاحكًا، لكنه مع ذلك يبقى ـ في رأيي الشخصي ـ أفضل من حلول أخرى كثيرة يلجأ لها بعض الناس، لاستحضار لحظات سعادة عابرة، أو لنسيان هم رابض، بطريقة آنية لا تلبث أن تزول، وربما تكون مضارها أكثر من منافعها ـ إن وُجدت ـ في أحيان كثيرة.

إن عملية تهدئة الطفل والانتقال به من حالة البكاء إلى حالة الضحك، تتحول إلى ما يشبه اللعبة النفسية التي يمارس كل واحد منا خبرته ويستعرض مهارته من خلالها، بما يبعث البهجة والفرح في النفوس.

ولكن بعض الآباء لا يشعرون بهذه البهجة التي تبعثها وجوه أطفالهم، حتى إن كانت وجوه أطفالهم باسمة دائما، ولا يسعون إلى إذكائها في نفوسهم واستثمارها في حالات ضيقهم وتعاستهم، بحيث تكون مفاتيح للسعادة والهناء، ويقومون في المقابل بالبحث عن هذه المفاتيح بعيدًا عن جدران منازلهم، جهلا منهم بما تضمه هذه الجدران من سعادة لو فهموا كيف يتعاملون معها.

من جهة أخرى، يخطئ كثير من الآباء في فهم حقوقهم الأبوية على أبنائهم، فيظنون أن من حقهم عليهم أن يحرموهم من بعض الأمور البسيطة التي تدخل الفرحة في قلوب الصغار، فقط كي يمارسوا «حقهم» في الأمر والنهي، دون أسباب مقنعة أو دون احترام لهذا الطفل الصغير الذي وهبه الله لهم ليزين حياتهم.

وأحيانًا يخطئون في طرائق تعبيرهم عن حبهم لأبنائهم، ويخلطون بين الحب والخوف، ويبالغون في تضخيم مشاعرهم تجاه أبنائهم، خصوصًا في ما يتعلق بمشاعر الخوف والحرص والغضب، فيتحول خوفهم وحرصهم عليهم ـ مثلا ـ إلى أطواق من الفولاذ يضربونها حول أبنائهم، فيحولون بينهم وبين رغباتهم من باب الخوف والحرص الذي لا يخلو منه قلب أب أو فؤاد أم، لكن طرائق تعبيرهما عنهما تختلف باختلاف النفسيات والأمزجة..

وهكذا يصلون للنتيجة نفسها التي يصل إليها غيرهم ممن يضيع عليه مغزى كون أبنائهم زينة حياتهم، فيفقدون بهجة من مباهج الحياة دون أن يدركوا ذلك، لأنهم بسلوكياتهم الخاطئة في التعامل مع أبنائهم أو في تعبيرهم لهم عن مشاعرهم تجاههم، يبنون بينهم وبين أبنائهم حواجز نفسية تحول بينهم وبين الإحساس بالمتعة التي يجلبها لهم وجود هؤلاء الأبناء في محيط أيامهم.

وكثير من الناس ينطلقون في الأساس من فكرة يمكن أن نقول إنها خاطئة، أو بعبارة أخرى غير صحيحة، فيفضلون زينة المال على زينة البنين، لأنهم يظنون ـ جهلا ربما ـ أن المال هو مصدر السعادة الحقيقية، في حين أن الأبناء ليسوا أكثر من طريقة لصرف المال وتبديده، مع أن المال يأتي ويذهب.

أما الأبناء فإنهم يبقون ـ ما داموا أحياء ـ عدة وذخرًا لآبائهم ينفعونهم في حياتهم ومماتهم، لأنهم أفضل استثمار في الحياة، في حال أحسن الآباء التعامل معهم، وهم في الوقت نفسه أكبر خسارة لو لم يحسن الآباء التعامل معهم، أو لم يدركوا قيمتهم وعاملوهم بقسوة أو جفاء أو بلا مبالاة.

ولن أنسى في ختام هذه السطور، أن أشير إلى أن كلامي هذا ليس تفسيرًا للآية الكريمة، إنما هي خواطر تتخذ من الآية أساسًا لها، أما تفسيرها فيجده طالبوه في مظانه المعروفة..

ربما تكون هذه الخواطر قد تشعبت وابتعدت عن مضمون الآية الكريمة الدقيق، لكنني كما ذكرت لم أقصد لا التفسير ولا التأويل، إنما هو اتكاء على الآية التي تستوقفني بين حين وآخر، كما أنني أستحضرها في مواقف مختلفة يُظهر بعض الآباء من خلالها ما يعزز معناها، أو ما يبتعد تماما عن ذلك المعنى ويكاد يخالفه مخالفة تامة.

جامعة الامارات

sunono@yahoo.com