الصيف الحار الذي شهدته وتشهده روسيا هذا العام، يعتبر أمرا غير عادي في تاريخ روسيا التي لم تشهد من قبل مثل هذا الارتفاع في الحرارة، ولم تشهد هذا الكم من الحرائق في الغابات.

والتي تجاوز عددها الثلاثين ألف حريق على مساحة تعادل نصف مساحة القارة الأوروبية، ولم يحدث أن غطت سحب الدخان مدينة روسية مثلما حدث للعاصمة موسكو أثناء هذه الحرائق، ولا حتى أثناء الحربين العالميتين.

فقد اختنقت العاصمة موسكو بشكل مخيف بسحب الدخان، التي تخللت نوافذ المنازل ووصلت إلى محطات مترو الأنفاق التي أعدت من قبل كمخابئ لسكان العاصمة في حالة اندلاع حرب نووية، لكنها لم تصمد أمام دخان الحرائق.

ولا شك أن هذه الحرائق قد خلفت تداعيات كثيرة في كافة مجالات الحياة في روسيا كلها، وخاصة في العاصمة موسكو، حيث انعكست بشكل كبير على مجال الصحة العامة، بما سببته من حالات الاختناق الجماعي والارتفاع الحاد في الحرارة التي لا يتحملها الشعب الروسي.

الذي يعيش معظم شهور السنة في طقس جليدي متجمد، كما انعكست على الحياة الاقتصادية بما سببته من خسائر كبيرة في الزراعة، وانعكست حتى على المجالات الثقافية والفنية.

بحيث أصبح على العاملين في هذه المجالات من كتاب وفنيين أن يتعاملوا مع الطقس الحار في الآداب والفنون الروسية، التي لم تعكس هذا الطقس في أعمالها طيلة القرون الماضية.

ولم تترك هذه الحرائق المجال السياسي أيضا، والذي نال منها القسط الأكبر، فإلى جانب الانتقادات التي انهالت على الكرملين والحكومة والاتهامات المتتالية بالتقصير، طرحت هذه الحرائق سؤالا هاما لم يجرؤ أحد على طرحه منذ اندلاع الثورة البلشفية عام 1917 وتحويل النظام الشيوعي للعاصمة الروسية من سان بطرسبورغ إلى موسكو.

وكان العديد من المثقفين الروس ضد قرار نقل العاصمة إلى موسكو، ونال الكثير منهم بسبب هذا الموقف الويلات من نظام الزعيم السوفييتي الحديدي جوزيف ستالين، الذي كان يكره بطرسبورغ لأنها مدينة «المثقفين المجانين» على حد وصفه.

لقد تسببت الحرائق في روسيا، في هروب دبلوماسيين أجانب من العاصمة موسكو، وكانت ألمانيا أول دولة قامت بإجلاء أعضاء سفارتها عن العاصمة الروسية.

وأقدمت الدول الغربية على ترحيل دبلوماسييها من موسكو، بعدما حذر وزير الطوارئ الروسي سيرغي شويغو من احتمال ارتفاع المستوى الإشعاعي في منطقة بريانسك بسبب الحرائق، وقد وصل التلوث الإشعاعي إلى هذه المنطقة التي تقع في وسط شطر روسيا الأوروبي وتجاور منطقة موسكو، من محطة تشيرنوبل الكهرونووية في أوكرانيا التي حدث فيها انفجار في ثمانينات القرن العشرين.

وكتب العديد من الصحف الروسية والأجنبية أن دخان حرائق الغابات جعل العاصمة الروسية غير صالحة للحياة، ما ينذر بطرح مسألة نقل العاصمة الروسية إلى مكان آخر بقوة.

والحقيقة أن الحديث عن نقل العاصمة من موسكو ليس جديدا ولا مفاجئا، ولا يأتي من فراغ، فهناك جهات محددة تقف وراء هذا الأمر وتروج له كثيرا، بينما الشيوعيون الروس يرفضون تماما نقل العاصمة من موسكو باعتبارها خيار زعيمهم المقدس لينين، وهناك من يقول إن جماعة الضغط البطرسبورغية (نسبة إلى مدينة سانت بطرسبورغ.

مسقط رأس الرئيس الروسي دميتري ميدفيديف ورئيس الوزراء فلاديمير بوتين والكثير من أعضاء الحكومة الروسية حاليا) هي التي تروج لنقل العاصمة إلى سان بطرسبورغ، وقد أبدت مدن روسية أخرى ـ نوفوسيبيرسك، سامارا، كراسنويارسك، سوتشي ـ الاستعداد لاستضافة العاصمة الروسية.

ضرورة المحافظة على صفة العاصمة لموسكو، اضطرت عمدة موسكو، يوري لوجكوف، لقطع رحلة علاجه والعودة إلى مكتبه في العاصمة، خاصة بعد حالة الذعر الذي انتاب الدبلوماسيين الأجانب في العاصمة الروسية، والذي اضطر بعض الدول إلى إرسال طائرات خاصة لنقل أعضاء بعثاتها الدبلوماسية ورعاياها من موسكو.

لقد هدأت الأحوال بعض الشيء بعد تراجع الحرائق نسبيا، وتراجعت سحب الدخان عن العاصمة، ولكن ما زالت رائحة الدخان تملأ حتى غرف الكرملين وقاعاته والحدائق العامة.

وما زال سؤال نقل العاصمة من موسكو متداولا بين أوساط عديدة، حتى إن الحزب الشيوعي الروسي بزعامة جينادي زيوغانوف قرر القيام بحملة ضد فكرة نقل العاصمة من موسكو، وطالب الحكومة والكرملين بوضع حد لهذا الحديث.

رئيسة المركز الروسي الحديث لاستطلاعات الرأي

mekhaelovna@mg.ru