لو أنّ الدولةَ في لبنان على غيرِ ما نعرفُ من رخاوةٍ واهتزاز، لو أنّ القضاءَ على غيرِ ما نعرفُ من ارتجاجٍ، لو أمسكت الأجهزةُ المختصة بقتلةِ صبحي الصالح وكمال جنبلاط ومهدي عامل وحسين مروّة ورينيه معوّض وإيلي حبيقة.
ثم قتلة سمير قصير وأنطوان غانم وجبران تويني وجورج حاوي ووليد عيدو، لما طرأت حاجةٌ إلى لجنة تحقيقٍ ومحكمةٍ غيرِ لبنانيتين، لمعرفة قتلة رفيق الحريري والاقتصاص منهم.
وقد حظيَ هذا الرجل، دون غيرِه من ضحايا خفافيشِ القتل هناك، بهما، لأنّ صوتاً علا ساعةَ الجريمة قال كفى، فأنصتَ إليه بعضُ العالم.
لم نعرف خيرَ «المحكمة الخاصة بلبنان ذات الطابع الدولي»، من شرّها، لنشتبهَ فيها ونرميَها بأنها «مشروعٌ إسرائيلي»، كما اتهمها بذلك السيد حسن نصر الله، وماشاهُ مشايعوه وأنصارُه وكثيرون غيرُهم.
بدأت عملَها قبل نحو عام ونصف، يترأسها قاض إيطالي لاحقَ المافيا في بلاده، اسمه أنطونيو كاسيزي، كان أول رئيسٍ للمحكمة الجزائيّة الدوليّة، وترأس المحكمة الخاصة بيوغوسلافيا السابقة.
وتضم هيئتُها في البداية والتمييز، بالإضافة إلى ثلاثةِ قضاة دوليين، ثلاثةَ لبنانيين، أحدهم نائبٌ لكاسيزي، هو رالف رياشي الذي كان عضواً في المجلس العدلي الذي حكم على سمير جعجع بالسجن.
ليس من اللياقة أن نتجرأَ على هؤلاء، فنفترضهم، خبطَ عشواء، بأنهم أدوات في يد أميركا وإسرائيل، لا لشيءٍ إلا لأننا، نحن العرب، نرتابُ من كل ما هو دولي، ولم تحقق لنا «العدالة الدولية» شيئاً يُعْتدُّ به بشأن جرائمِ إسرائيل.
وقد يُسوّغ هذا الأمر التوجّس الذي يُلازمنا، لكنّه لا يجيزُ التبخيس من القيمة المعنويّة لقراراتٍ أصدرتها محاكمُ دوليّة اختصت بجرائم في يوغسلافيا السابقة ورواندا وسيراليون، وفي البال أنّ محكمة دوليّة قضت بعدمِ شرعيّة جدار الفصل العنصري في فلسطين.
استمعت لجنةُ التحقيق الدولية إلى نحو أربعمئة شاهد، بينهم أربعةٌ أقنعنا خصومُ المحكمة بأنهم شهودُ زور، لم يؤخذ بإفاداتهم تماماً، بدليل أنّ أول قرارٍ للمحكمة الموصوفةِ بأنها مشروعٌ تآمري على لبنان (والمقاومة)، هو الإفراج عن الضباط الأربعة الذين سُجنوا ثلاثة أعوام وثمانية شهور بموجب قراراتٍ من القضاء اللبناني، وبتوصيةٍ من ديتليف ميليس الذي استُبْدِلَ بسيرج براميرز، قبل دانيال بلمار مدّعي عام المحكمة حالياً.
واختلفت أساليبُ عمل الثلاثة في رئاسة لجنة التحقيق، التي ليس من الكياسةِ أن نسْتسهلَ سوءَ الظن بخبرائها الذين استُقْدموا من عدّة بلدان.
لنتذكر أيضاً أنّ التعاون التام والإيجابي مع المحكمة، تم الاتفاق عليه في مائدة الحوار الوطني اللبناني التي شارك فيها حزب الله، وأنّ التشديدَ عليه جاءَ في صلب البيان الوزاري الذي نالت بموجبه حكومة سعد الحريري الثقة من البرلمان، وهي حكومةٌ تضم وزراءَ من الحزب، كما حكومة فؤاد السنيورة الثانية.
وكذا الأولى التي انسحب منها وزراءُ حزب الله وحركة أمل الستة (ظلّ خمسةٌ منهم يقبضون رواتبَهم كوزراء)، بدعوى أنّها لم تُيسّر الوقت الكافي لدراسة نظام المحكمة، وأنّ الإجراءَ الإداري لإقراره ليس سليماً، ثم صارَ ما صارَ من تأزّمٍ غيرِ منسيّ التفاصيل أطفأه اتفاق الدوحة.
وفي تلك الأثناء، أشْهرَ إميل لحود وسليم الحص وفاعلياتٌ أخرى مؤاخذاتِهم على نظام المحكمة، وهو ما لم يقم به حزب الله حتى اللحظة.
ثمّة قرائن على الاشتباه بقتلِ إسرائيل، عبر عملائِها، رفيق الحريري (وباسل فليحان و11 لبنانيا آخرين)، أعلنها السيد حسن نصر الله ثم طلبها دانيال بلمار، ومؤكدٌ أن ثمة قرائن أخرى للاشتباه بغير إسرائيل.
والمنتظرُ من المحكمة أن تقدّم أدلةَ قطعيّة لاتهامٍ متماسك، لأننا نشتهي الحقيقةَ ومعاقبةَ المجرمين، أياً كانوا، فلا يفلتوا كما الذين قتلوا السابقين على الحريري واللاحقين عليه.. عماد مغنية مثلاً.