عاش لبنان في الأسبوعين الفائتين، حدثاً استثنائياً تمثل في المؤتمر الصحافي الذي عقده السيد حسن نصر الله، أمين عام «حزب الله» اللبناني، حيث قدم صوراً جوية وخرائط وتسجيلات عن عملاء إسرائيليين جرى توقيفهم سابقاً من أجهزة المخابرات الرسمية في لبنان، تشكل بمجملها مضبطة اتهام لإسرائيل في عملية اغتيال الرئيس رفيق الحريري.
ردود الفعل الداخلية لم تخرج عموما عن الاصطفاف السياسي العام، القائم في البلاد بين 8 و14 آذار، حيث هلل سياسيو 8 آذار وإعلاميوها للوقائع التي كشفها نصر الله، معتبرين إياها قرائن مؤكدة على ضلوع إسرائيل في عملية الاغتيال.
مما يرفع الشبهة عن «حزب الله» بعدما صرفت المحكمة الدولية عن اتهام سوريا، فيما تحفظت قوى 14 آذار على وقائع المؤتمر، معتبرين أن ما قدمه نصر الله لا يتعدى كونه إشارات وقرائن ظنية، لا ترقى إلى مستوى الأدلة القطعية الجازمة.
لكن المفاجأة تمثلت في الموقف الذي اتخذه تيار «المستقبل» والرئيس سعد الحريري شخصياً، عندما جرى التعامل الإيجابي مع قرائن «حزب الله»، ورفض التقليل من جديتها، الأمر الذي أشاع مناخا من الاطمئنان العام في البلاد، وقدم تأكيدا على الدور الذي تلعبه المملكة العربية السعودية في منع أي احتقان داخلي أو توتر مذهبي.
المحكمة الدولية بلسان مكتب المدعي العام دانيال بالمار، سارعت إلى إبداء ترحيبها بأية قرائن أو معلومات تنير التحقيق، داعية إلى رفع المعطيات والأشرطة التي عرضها السيد نصر الله، إلى المحكمة للنظر فيها بجدية وحرفية ودراستها بتأن.
ما كان لافتا أيضاً أن الصحف السورية؛ من صحيفة البعث الناطقة بلسان حزب «البعث» الحاكم إلى صحيفة «تشرين» الناطقة بلسان الحكومة، اكتفت بتعليق هادئ غير اتهامي للمحكمة الدولية، داعية قاضي التحقيق إلى التثبت من القرائن وفحصها بتأن، والشروع في إدخال المعطى الجديد في نسيج الاتهام الظني.
هنا تتكاثر الأسئلة التي يرفعها المراقبون المحايدون:
هل توافق واشنطن وباريس على اتجاه المحكمة نحو التحقيق الجدي مع السلطات الإسرائيلية، مدنية أو عسكرية، أم تعمد العواصم ذات القرار إلى تعطيل أي تحرك للمدعي العام في اتجاه تل أبيب؟
هل سيسهل اللوبي الصهيوني في واشنطن حركة المدعي العام؟
هل يقبل «حزب الله» بتسليم القرائن التي يملكها إلى محكمة يعلن أنه لا يثق فيها ولا بحياديتها، أم يعمد إلى تسليم القرائن إلى الدولة اللبنانية تاركا لها حرية التحرك والتصرف؟
هل يقوم المدعي العام نفسه بزيارة إسرائيل من أجل استكمال مروحة تحقيقاته؟
مع العلم أن إسرائيل رفضت توقيع «اتفاق تعاون» مع المحكمة، على غرار بعض الدول كما جاء في تقرير المدعي العام السابق لها من أنها استدعت ضباطاً سوريين للإدلاء بشهادتهم كشهود، وقام مندوبون من المحكمة بالاستماع إلى رأي ومعلومات الرئيس السوري بشار الأسد في جلسة عقدت في القصر الجمهوري في دمشق.
كما من العلوم أن المحكمة استمعت إلى إفادات كوادر من «حزب الله» أيضاً بصفة شهود، بإجازة خاصة من قيادة «حزب الله»، فضلاً عن أن المدعي العام قام بزيارة عدد من الدول العربية في إطار تحقيقاته المكثفة.
فهل تخضع إسرائيل لطلب ما قد ترفعه المحكمة للاستماع إلى مسؤولين إسرائيليين أيضاً بصفة شهود؟
من جهة لبنان الرسمي، لم يصدر تعليق من الحكومة اللبنانية، وإن كان غلب الترحيب على ما تسرب من موقف رئيس الجمهورية، الذي يرى ضرورة أن تعكف المحكمة على دراسة المعطيات التي جاء بها نصر الله.
كل ذلك يوصلنا إلى السؤال الكبير:
هل تؤجل المحكمة إصدار القرار الظني الذي كان شائعا أنه سيكون في نوفمبر المقبل، وفق ما أكدت السفيرة الأميركية في لبنان لعدد من القيادات السياسية التي التقت بها أثناء جولة وداعية لها قبل مغادرة منصبها؟
التقريرات المتوافرة تشير إلى أن المدعي العام يحتاج إلى فترة زمنية تمتد عددا من الأشهر.
من أجل دراسة المعطيات الجديدة وإدراجها في سياق القرار الظني، مما يحتم تأجيل صدور القرار إلى نهاية الخريف المقبل أو مطلع السنة الجديدة، خصوصا أن المدعي العام نفسه طالب السيد نصر الله بأن يستخدم «سلطته المعنوية»، من أجل إمداد المحكمة بما يتوافر لديه من قرائن او معطيات تفيد التحقيق الدولي، مما سيطيل من أمد التحقيق.
يبقى أن الاشهر الفاصلة قبل صدور التقرير، ستكون فرصة للتحرك السعودي المرتقب حيال واشنطن، للضغط من أجل تصويب مسار التحقيق وإدخال الفرضية الإسرائيلية في صلب القرار الظني.
شهر رمضان الفضيل سيكون شهر انتظار ومشاورات دولية وداخلية (واجتماع مرتقب بين الحريري ونصر الله)، فهل تحمل الشهور الآتية خبراً يطمئن اللبنانيين أم ستأتيهم بما يجعلهم يزدادون قلقاً؟
كاتب لبناني
adm.admco@gmail.com
