باكستان وطن موبوء بالكوارث الطبيعية والقلاقل السياسية. الطوفان الماحق يأتي بعد خمس سنوات فقط على زلزال مدمر. العسكر قبض على مقاليد السلطة في باكستان أكثر من نصف سنيّ عمرها الثلاثة والستين. الطبقة السياسية مسكونة بالفساد والقصور. الجماعات الدينية المتطرفة تنازع الدولة نفوذها في مناطق من البلد.
الشعب الباكستاني يعاني نقصاً في الخدمات الحياتية الأساسية، وعجزاً في الماء النظيف. الطوفان الماحق يزيد معاناته؛ إذ يواجه شحاً في الغلال الزراعية والمنتجات الحيوانية.
المياه غمرت خُمس مساحة باكستان، وأخرجت 20 مليون نسمة من دائرة الاستقرار الحياتي. معظم هؤلاء شاهدوا بيوتهم وما ملكوا من ثروات زراعية وحيوانية تجرفها السيول الأرقام تشير إلى طمر 17 مليون من الهكتارات المزروعة وأكثر من 200 ألف رأس من الماشية. أسعار المواد الغذائية بدأت تترك آثارها على الآمنين في المدن. هذا قطاع عريض بحجم شعب غادر دائرة الحياة النظيفة، وليس في وسع السلطات تحديد نهاية حقبة التيه التي انزلق إليها.
الطوفان الباكستاني لا يشكل فقط كارثة طبيعية استثنائية. هو في الوقت نفسه مستنقع سياسي لا يهدد بجرف الحكومة الحالية فحسب، بل التجربة الديمقراطية الهشة هناك. الإدارة الأميركية وجدت نفسها متورطة في وحل الطوفان الباكستاني؛ إذ تطال تداعياته استراتيجيتها الخاصة بالحرب على الإرهاب.
مساحة شاسعة من باكستان بالغة الحيوية أميركياً فقدت مقومات بناها التحتية. الطرق والجسور أكثر تضرراً، وهي في الوقت نفسه عصب تلك البنى الحيوية. فقدانها يجعل أذرع شبكات الإغاثة المحتملة معطوبة، فتستفحل حالة المنكوبين المتردية بؤساً، وموقف الحكومة الباكستانية تأزماً. 76 مليون دولار كلفة ما جرفته السيول في هذا القطاع.
تحالف الأمطار الموسمية والفيضانات الفجائية كشف عجز الحكومة المركزية إزاء تخفيف الأضرار والأوجاع. أداء السلطات الحكومية لا يزال يتسم بالتباطؤ تجاه مسرح الكارثة. الحديث أخذ يتصعد عن انتشار الأوبئة في غياب الخدمات الصحية والطبية.
غضب عارم انصبّ على الرئيس الباكستاني حينما واصل جولته الأوروبية. عاصف زرداري منح خصومه فرصة لفتح النار عليه. الرجل الصاعد على رفاة بنازير بوتو تعرض لحملة انتقادات قاسية من نافذة اللامبالاة بمصير ملايين الجائلين من شعبه في اللامكان. زرداري يتجاهل حملة خصومه بزيارة إلى موسكو.
غياب الرئيس وتباطؤ الدولة وانتشار الجنود وسط المنكوبين عزز الثقة في الجيش مؤسسة وطنية مقتدرة. مثل هذه الثقة في مثل هذه الظروف تشكل إغراء لضباط مغامرين بالانقضاض على التجربة الديمقراطية المأزومة. الملايين الهاربة على حواف الطوفان يمكن أن تتتحول إلى أمواج من الغضب العارم، فتراكم المزيد من السخط على الحكومة الحالية. معالجة تداعيات الكارثة يتطلب حكومة قوية تنعم بالقدرة على الحركة وفرض الاحترام.
في موازاة تقاعس السلطات، تنشط منظمات ذات صلة بقواعد وشبكات الجماعات المتطرفة لسد رمق الخارجين من وحل الكارثة. هذا مصدر خطر على الدولة والجيش والاستراتيجية الأميركية. الطوفان لا يعرقل فقط الحركة العسكرية في المناطق المجاورة لأفغانستان، بل يعزز خلايا وأوكار الإرهاب هناك.
من هنا نفهم جهد أميركا الدؤوب في الحملة الدولية الطوعية لإنقاذ المنكوبين في باكستان. أميركا تتصدر المساهمين. جهد واشنطن في هذا السياق ليس إنسانياً محضاً، بل سياسي بالمعيار الموضوعي. هو دعم حليف مقتدر إلى حليف حميم في حرب مشتركة.
الأمم المتحدة تقدر حاجة باكستان إلى 460 مليون دولار بغية خروجها من وحل الطوفان. العون الخارجي ينقذ التجربة الديمقراطية الباكستانية بقدر ما يسهم في إغاثة ملايين المنكوبين على استئناف الحياة اليومية النظيفة.