رغم أنه تم جزئيا تجاوز الأزمة التي نشبت بين المؤسسة العسكرية وحكومة حزب العدالة والتنمية في تركيا، إلا أن هذه الأزمة كانت مختلفة عن الأزمات السابقة بين الجانبين. فقد كانت الأزمات السابقة تتعلق بمحاولة الحكومة إضعاف قبضة الجيش على الحياة المدنية.
وعلى الأخص ما يتعلق بالشأن السياسي، وذلك بهدف تحصين الحكومة من أي محاولات من الجيش لإقصائها، كما حدث من قبل مع حكومة نجم الدين أربكان وحزب الرفاه الذي كان يترأسه وتم حله بعد تدخل المؤسسة العسكرية.
ولكن الأزمة الأخيرة حدثت لأول مرة على خلفية تعيينات في الجيش وتولى مناصب قيادية فيه، وهو ما يرى فيه الجيش تدخلا مدنيا في الشأن العسكري، بينما تقول الحكومة إنها تريد أن يصبح الجيش محترفا وبعيدا عن التدخل في الشأن السياسي، ثم تتدخل هي في شأن المؤسسة العسكرية لأسباب سياسة.
وقد تفاقمت الأزمة بين الجيش التركي والحكومة، بعدما فرضت الأخيرة أمراً واقعاً باستبعادها مرشح رئيس الأركان الجنرال ألكر باشبوغ، للجنرال حسن أغصيز لمنصب قائد القوات البرية، والذي كان يشغل منصب قائد الجيش الأول، ويتهمه الحزب الحاكم بشن حرب إعلامية ونفسية عليه عام 2007، من خلال إنشائه 15 موقعاً الكترونياً لتشويه سمعة الحكومة واتهامها بمعاداة العلمانية والسعي إلى تقسيم البلاد، وهذه معلومات تضمنتها عريضة ادعاء طلب حظر الحزب عام 2007 أمام المحكمة الدستورية.
وهذه الأزمة معقدة، ليس لأنها تفتح الباب للخلاف بين الجانبين، وإنما لأنها كشفت عن رفض جنرالات الجيش تدخل الحكومة بشكل مباشر لاختيار قيادات الجيش وترقيتهم، خصوصاً إذا كانت حجتها في ذلك التخلص من الجنرالات المتهمين بالتخطيط لانقلاب عسكري.
إذ يعتبر الجيش أن كلّ ما يقال عن خطط انقلابية وما يتبعها من اتهامات ومحاكمات، لا يستند إلى دليل واقعي، وأنها مجرد زعم هدفه إضعاف الجيش وكسر شوكته. وحتى الآن، ورغم الحل الجزئي للأزمة، فإن قائد أركان الجيش لم يرشح قائدا جديدا للقوات البرية.
وذكرت وسائل الإعلام أن الرئيس التركي عبد الله جول استدعى الجنرال اشيق كوشانر المرشح لمنصب رئيس الأركان، خلفاً للجنرال باشبوغ الذي تنتهي ولايته نهاية الشهر الجاري، وأبلغه أنه يريد بداية نظيفة لعهده الذي سيمتد لثلاث سنوات، وأن من الأفضل له التدخل لإقناع الجيش بالتهدئة وقبول مطالب الحكومة. ومن يعرف طبيعة المؤسسة العسكرية في تركيا، يدرك أن هذا الأمر يمكن أن يؤدي إلى استفزازها وليس تهدئتها، وهو ما يمكن أن يؤدي إلى اشتعال الأزمة مجددا في المستقبل.
يضاف إلى ذلك ما نشر منذ أيام حول إصدار محكمة في اسطنبول قرارا باعتقال 102 متهم في قضية «باليوز» الانقلابية من بين 196 متهما، وكلهم من العسكريين، وذلك بعد ان قبلت الحكمة الدعوى المرفوعة ضد المتهمين من المدعي العام الجمهوري، بالتخطيط للقيام بعملية انقلابية تحت مسمى «باليوز» أو المطرقة الثقيلة للإطاحة بحكومة حزب العدالة والتنمية عام ,2004.
وتم تحديد يوم 16 ديسمبر المقبل للبدء بالمحاكمة في سجن قرب اسطنبول، ما يظهر حجم الصراع بين الطرفين، خاصة وان المحكمة عادت وأصدرت قرارا آخر يقضي بإلغاء مذكرات التوقيف التي صدرت ضد نفس الضباط، ومن بينهم 25 جنرالا وأدميرالا لا يزالون في مواقعهم العسكرية.
بعضهم كان مرشحا لمواقع قيادية في الترقيات الأخيرة، وأقرت التسوية الأخيرة بان يحصلوا على ترقياتهم على أن تنفذ بعد انتهاء المحاكمة في حالة براءتهم من التهم الموجهة لهم، وكانت الحكومة ترفض أن تدرج أسماء المتهمين في الترقيات من الأساس.
ويكتسب هذا الأمر أهميته أو خطورته، حسب الموقع الذي ينظر منه المحلل، من التوقيت الذي تظهر فيه الأزمة بين الحكومة والمؤسسة العسكرية، فهي تأتى قبل أسابيع من تصويت الناخبين الأتراك على التعديلات الدستورية، التي كانت موضعا لأزمة بين الجيش وحكومة حزب العدالة والتنمية، فضلا عن أنها تأتى أيضا قبل شهور من بدء الحملة الانتخابية التشريعية المقررة العام القادم، وهو ما يعني أن الأزمة يمكن أن تؤثر على جهود الحكومة في الدعاية للتعديلات، وعلى الحملة الانتخابية لحزب العدالة والتنمية.
وهذا يعني أن كلا الاستحقاقين أصبحا بمثابة استفتاء على شعبية العدالة والتنمية في مواجهة المؤسسة العسكرية. وهناك عدد من المراقبين يرى أن الجيش إن كان لا يزال يتمتع بالشعبية التقليدية له في المجتمع التركي، فإن ذلك سيؤدي إلى تصويت الناخب في غير صالح التعديلات الدستورية، ثم انخفاض عدد المقاعد التي سيحصل عليها حزب العدالة والتنمية في هذه الانتخابات.
وهذا التوقيت يؤكد أنه رغم التقدم الذي حققه حزب العدالة والتنمية على أكثر من صعيد، إلا أنه حتى الآن لم يتخط عنق الزجاجة، الذي يتمثل في إحداث الوضع القانوني والدستوري الذي يزيل عنه التهديدات المتكررة بالحل أو الدخول في مواجهة مفتوحة مع المؤسسة العسكرية كما هو حادث حاليا، وهذا يتمثل في التعديلات الدستورية المقرر أن تجرى قريبا.
أما الخروج النهائي من عنق الزجاجة، فسيكون عبر الانتخابات التشريعية المقبلة. فلو تخطى العدالة والتنمية هاتين العقبتين، سيتغير شكل السياسة التركية بصورة كاملة.
كاتب مصري
ksrgany@hotmail.com