الدراما هي الذاكرة المرئية لأحوال الناس، سواء كانت سينمائية أو تليفزيونية، فإذا أردت أن تعرف أحوال أمة في فترة تاريخية محددة شاهد أعمالهم الدرامية، فستجد توثيقا مرئيا لصور حياتهم من مختلف جوانبها. من ناحية أخرى فان الدراما سفير غير رسمي للدولة، بل إن الأعمال الدرامية قد تسبق في وجودها التمثيل الدبلوماسي بين الدول.
ويأتي شهر رمضان وتأتي معه وجبة من الأعمال الدرامية التي تفوق طاقة المشاهد على متابعتها، ومن السابق لأوانه أن نقيم الأعمال الجاري عرضها لأسباب متعددة، إلا أنه من خلال استقراء لواقعها أستطيع أن أحدد بعض الملامح التي أصبحت سمة وملمحا أساسيا من سمات الدراما العربية. فلقد أصبح من النادر أن تجد مسلسلات عربية تعيش في ذاكرة الناس، شأنها شأن الأغاني والموسيقى.
وهذا الوضع غير السوي للفن، ناتج عن انقلاب أدوات الفن نفسها، فعهدنا بالأغنية العربية أنها تبدأ بكلمات يكتبها الشاعر، ثم يعجب بها المطرب الذي يحولها بدوره إلى ملحن يثق في موهبته ويفضل لونه الموسيقي، وبدوره يقوم بالتلحين في وجود المطرب المثقف الذي قد تكون له إضافة في اللحن أو حتى الكلمات وإن كانت لكبار الشعراء، إلا أن الوضع انقلب في حدود معلوماتنا.
فالبداية بلحن موسيقي أو مقطوعة موسيقية «تيمه» ليست لها هوية، تلتقي على غير هدى بكلمات يتم تركيبها عليها، بغض النظر عن درجة التوافق، ثم تطرح في سوق الفن لمن يدفع، سواء كانت إمكانات المطرب وموهبته ومساحة صوته قادرة على أداء اللحن أم لا.
كذلك الحال بالنسبة لصناعة الدراما، التي لم تعد تعرض تبعا لأهمية موضوعها أو ما تقدمه من مضمون، بل تتسابق المحطات على عرضها حسب اسم الممثل أو الممثلة التي تؤدي دور البطولة، وبعض المحطات تتعاقد على العمل وهو تحت الإعداد، لمجرد أن النجم فلان هو بطله، بغض النظر عن المضمون الفني. وهذا أحد أخطر أسباب فقر الساحة الفنية بالوجوه الصاعدة التي قد تمتلك الموهبة، لكنها لا تجد من لديه جرأة المغامرة بتقديمها من الشركات المنتجة التي يسعى معظمها لضمان الحصول على الأرباح في المقام الأول.
أما الكلام عن رسالة الفن فذاك أمام العدسات وكاميرات التليفزيون، حتى عند الإعلان عن المسلسل يكون التركيز على النجم دون الموضوع، كمن يضع العربة قبل الحصان فتكون النتيجة أعمالا غير متماسكة البنيان، ضعيفة الترابط، اعتمدت على منطق السوق والنجم الذي يبيع، فننساها عند انتهاء آخر حلقاتها، وربما قبل أن تبدأ!
المبالغة الشديدة في الأجر الذي يتقاضاه نجم المسلسل، والتي تستحوذ على الجانب الأكبر من ميزانية العمل الفني وقد تصل إلى الثلث في معظم المسلسلات، لا شك أنها تؤثر على باقي الجوانب الإنتاجية للعمل بشكل عام، ما يؤدي بدوره إلى التأثير على مصداقية العمل.
فالصورة عنصر أساسي في العمل الفني، والإبهار والجودة من أدوات العمل التليفزيوني التي يؤدي إهمالها إلى فقد جانب مهم من جوانبه وهو الصورة التي تعد جماليتها أحد أهم أسباب إقبال المشاهد العربي على المسلسلات التركية، وهى ذات الأسباب التي ميزت المسلسلات السورية، وخاصة التاريخية عن بقية الدراما العربية.
ورغم أن الدراما الخليجية ظلت لفترة طويلة حبيسة جدران البكائيات وكأنها تلبس دائما ثوب الحداد، إلا أنه خلال السنوات القليلة الماضية دخلت على خط المنافسة وبقوة، مع الدراما العربية.
إن العمل الفني في الأخير، هو وجهة نظر نابعة من إيمان أصحابه بها وقناعتهم واستعدادهم للدفاع عنها، تتحمل مسؤوليته أمام المشاهدين والنقاد، بل وأحيانا أمام التاريخ.
فالدراما لا تقدم الواقع كما هو، فهي ليست كاميرا تصوير فوتوغرافي، بل الدراما تكثف الواقع وقد تتخطاه، ولأن العمل الفني وخاصة الدرامي هو صناعة تصديرية بنسبة مائة في المائة، فليست هناك جهة إنتاجية تقوم بإنتاج عمل لبلد دون آخر، ولأن هناك نقاط خلاف قطرية في الموضوعات التاريخية أو السياسة أو حتى الاجتماعية، تجعل هناك نوعا من الانتقائية في اختيار أعمال دون أخرى.
هذا العامل الضاغط جعل صناع الدراما العربية يكتفون بالسباحة في المناطق الآمنة، مبتعدين عن الموضوعات التي تثير حالة من الاستنفار الذهني أو الجدل المجتمعي حول قضايا تتلمس أوجاع الناس وواقع حياتهم، رافعين شعار الفن للفن والضحك للضحك، مما يضعف العمل ويقوض رسالة الفن في المجتمع.
الخروج من الموضوعات النمطية واجترار نفس القضايا، من المعضلات التي تواجه الدراما العربية نتيجة للمسموح وغير المسموح، التي باتت من أهم عوامل الهروب إلى الموضوعات التاريخية وسير السابقين، والتي تواجه تحديات ليست أقل، متمثلة في دقة المعلومة المقدمة والتي يعوزها الكثير من البحث.
فضلا عن الاهتمام بالتفاصيل الخاصة بالملابس وأماكن التصوير، واليقظة التامة لما تلتقطه الكاميرا. فما زلت أذكر أحد المسلسلات أثناء متابعته، حيث كان هناك سلك كهربائي يظهر من خلف البطل أثناء الحوار، وآخر تاريخي ظهر والبطل يلبس ساعة في يده.. والقائمة طويلة.
إن مصداقية العمل الفني متعددة العناصر، منها أداء الممثل ذاته صوتا وصورة، وإن شئت دقة اللهجة التي يتحدث بها الممثل، وهذه معضلة كبرى، فإذا لم يكن الممثل قادرا على التحدث باقتدار بنفس لهجة الشخصية التي يؤدي دورها، فقد جانبا كبيرا من مصداقيته عند الجمهور، مها كانت درجة براعته في أداء الدور أو جماهيريته السابقة، خاصة في ظل تسابق المحطات التليفزيونية وشركات الإنتاج على استقطاب الممثلين من مختلف الجنسيات، وهذا أمر جيد نحبه وندعو إلى تشجيعه، فالإبداع ليس له وطن، إلا أن الخطورة تأتي عند قيام بعضهم بتقديم شخصيات موغلة في المحلية، وهنا يحدث الخلل.
أمر آخر لا يقل عن سابقة، وهو أن حرص بعض النجوم والنجمات على الحفاظ على جماهيريتهم يجعلهم حبيسي أدوار محددة وهي أدوار لأشخاص مثاليين لا يخطئون أبدا، فتستشعر أنك تشاهد نماذج بعيدة عن دنيا الناس، سبقت متطلبات النجومية لديهم مستلزمات العمل الفني.
عميد كلية المعلومات والإعلام والعلوم الإنسانية جامعة عجمان للعلوم والتكنولوجيا
Dralkhaja@gmail.com
