ليست الدراما الرمضانية وحدها المسؤولة عن تحويل الشهر الفضيل إلى موعد للمفارقات الصارخة وللمتناقضات التي تعصف بالعقل والنفس، بدلاً من أن يكون موعداً للسكينة الوجدانية والتقرب إلى الله. ومع ذلك، فإني أجد أن المسلسلات التي تنهمر علينا في شهر رمضان، تعدّ من العوامل الأكثر تأثيراً في هذا السياق.

نعم، صار رمضان ـ وبكل أسف ـ شهر المفارقات بامتياز. صحيح أنه ما زال شهر قيام الليل. الاختلاف الذي حدث يتعلق فقط بالغرض من قيام الليل، وبالتسمية أيضاً، إذ من الأدق القول إن رمضان تحول إلى شهر للسهر، وشتان ما بين السهر وبين قيام الليل!

عرفنا رمضان شهراً للعبادة، فإذا به يغدو شهر الدراما بغثّها وسمينها. شهر النوم نهاراً والمسلسلات مساء، والخيم الرمضانية ليلاً وحتى مطلع الفجر. عرفناه شهراً للعائلة، فإذا بمسلسلاته «العائلية» تسرق عقول وقلوب أفراد العائلة من بعضهم بعضاً.

ولا يختلف في ذلك حال الآباء عن الأمهات؛ الأزواج عن الزوجات؛ الأبناء عن البنات. في معظم الحالات، صار هؤلاء عبارة عن أفراد يتصنّمون في أمسياتهم أمام أجهزة التلفزيون، تحسبهم معاً وهم ساهمو الطرف، غارقون في أخيلة درامية فرضتها عليهم مسلسلات معظمها يجلب الغم والهم، وقليلها يحاول دعوتنا إلى الضحك فتتبدد مبررات تلك الدعوة على سذاجة الطرح وطغيان التهريج وانعدام الرسالة.

عرفنا رمضان شهراً للصحة، فإذا بنا نخرج منه في كل عام بأرطال متراكمة من الشحوم الزائدة. ولا عجب في ذلك، فبعضنا يوصل إفطاره بسحوره في عرض متواصل من الطحن والبلع.. والرياضة شبه الوحيدة التي يمارسها هي رياضة التفرج!

عرفناه شهراً للاقتصاد، فكيف تحول بقدرة قادر إلى شهر للاستهلاك والاستنزاف المادي المفرط؟ أنا شخصياً لا تعليل لدي. ما أعرفه أننا في كل عام، وقبل أسابيع من حلول الشهر الفضيل، نعطي زخماً قوياً لمنحنى الطلب كي يمارس صعوده الصاروخي المثير للاستغراب. ما زلت غير قادر على استيعاب هذا التهافت الاستهلاكي، الذي يجبر الأسعار على الارتفاع عنوة لنبدأ بعدها باللطم والشكوى!

عندما جاء الناس إلى عمر بن الخطاب رضي الله عنه واشتكوا من غلاء اللحم، ردّ عليهم: أرخصوه أنتم. فقالوا: نحن نشتكي غلاء السعر واللحم عند الجزارين ونحن أصحاب الحاجة، فتقول: أرخصوه أنتم؟ وهل نملكه حتى نرخصه؟ كيف نرخصه وهو ليس في أيدينا؟ فقال: اتركوه لهم!

نحن إذاً من نرفع السعر، ونحن من نرخصه، والفيصل في ذلك سلوكياتنا الرمضانية.

ورمضان يا سادة يا كرام هو أيضاً شهر العمل. وهنا أسأل عن حال السويعات القليلة التي يمضيها المرء في عمله خلال شهر الصوم؛ بعضهم تراه شبه نائم نتيجة إفراطه في «قيام الليل»، وبعضهم يتلبّسه عفريت الخمول والتقاعس عن أداء أي مجهود يتطلب العمل، والذريعة دائماً:

«إني صائم»! وهكذا، انظر حولك، تجد الكثيرين ممن يستحقون وسام الإبداع في ابتكار أساليب للتهرب من العمل في شهر العمل. ملحوظة: لا تفوتني هنا الإشارة إلى أن التعميم المطلق لا ينطبق على واقع الحال، فثمة أناس غير قليلي العدد لا يمنعهم الصيام من إعطاء العمل حقه.

بالإجمال، أستطيع القول إن الصورة العامة لأسلوب تعاطينا مع شهر رمضان المبارك، هي صورة تصلح نفسها كسيناريو لمسلسل رمضاني من نوع الأعمال العبثية أو السوريالية.

مهلاً، هذه ليست دعوة أو اقتراحاً جدياً بفكرة مسلسل جديد، فلدينا منها الكثير الكثير؛ أكثر من عدد ساعات اليوم الواحد، بل كما يقال «أكثر من الهمّ على القلب». هذا عن الكثرة، أما عن المضمون فحدّث ولا حرج، وقبل أن أعكف على إعداد مقالتي هذه، استعرضت الجدل الدائر حول عدد من المسلسلات التي سنعيش معها طيلة رمضان الحالي، فزدت امتعاضاً على امتعاض لما يبشّرنا به «الموسم» الحالي.

علمت، وليتني لم أعلم، أن من مسلسلات هذا العام ما يروّج لأشكال من الزواج لا تحظى بالقبول في الكثير من مجتمعاتنا. واطّلعت على ما يقال من أن مسلسلاً رمضانياً أخذ على عاتقه أن يقلب معادلة الحاج متولي، ليقدّم النسخة النسائية منها: امرأة تتزوج خمسة رجال! وقرأت عن الألفاظ النابية التي تعدنا بها مسلسلات رمضان. وقد لفت نظري اعتراض البعض على طلب الرقابة المصرية، بإلغاء مشاهد تتضمن عبارات من قبيل «ابن الكلب» و«بنت الكلب» وغيرها.. اللهم إني صائم.

ولأنني بحثت، فقد علمت أن مسلسلات رمضان الحالي لن تكون أفضل من سابقاتها، من حيث زخم الإيحاءات الجنسية الرخيصة وغير اللائقة في أجواء العائلة وأجواء رمضان.

وعلمت أيضاً أن مسلسلات الشهر الفضيل لن تبخل علينا برسائلها غير الفضيلة، فسوف نشاهد مثلاً أبطالاً محبوبين يدخنون بشراهة، نافثين دخانهم كرسائل تستقر في وجدان أبنائنا وبناتنا؛ رسائل تقول بلا مواربة: إن البطل التلفزيوني المحبوب يجسّد سحره ونجوميته بالسيجارة، وإن النجمة التلفزيونية المعشوقة تؤكد أنوثتها وجاذبيتها من خلال الشيشة!

وفي أثناء بحثي، صادفت مجموعة تشكلت على موقع التواصل الاجتماعي «فيسبوك»، تدعو إلى مقاطعة المسلسلات الرمضانية، بل مقاطعة التلفزيون نفسه في رمضان. ومع أن عدد من انضموا إلى المجموعة بلغ آلافاً مؤلفة، إلا أنني تساءلت بحيرة: وهل ثمة سبيل بالفعل لمقاطعة مثل هذا «التسونامي»، إلا إذا كان المرء من القابضين على الجمر؟!

مدير عام الهيئة العامة للمعلومات

salem.alshair@gmail.com