في ما يقرب من ثلاث ساعات، وعلى الهواء مباشرة، قذف الأمين العام لحزب الله السيد حسن نصر الله في مؤتمره الصحافي الأسبوع الفائت، بقنبلة موقوتة صناعة لبنانية مائة بالمائة في شباك العدو الإسرائيلي. وتفاجأ الإسرائيليون بالعديد من تفاصيلها.

المهم، كانت الملايين من المهتمين بالساحة اللبنانية وبقضية اغتيال رفيق الحريري، وغيرهم حتى من بين الإسرائيليين أنفسهم مدنيين وعسكريين، كانوا يجلسون أمام شاشات تلفازاتهم يتابعون واحدة من أكثر خطب ومؤتمرات حسن نصر الله التلفزيونية انتظارا.

فعملية اغتيال رئيس وزراء لبنان السابق رفيق الحريري في 14 فبراير 2005 كانت تحمل في طياتها العديد من التساؤلات والكثير من الرموز وأعداد لا حصر لها من الأهداف غير المرئية أو المعلنة.

وما ينطبق على عملية الاغتيال (التي تمت بنجاح لا نظير له)، ينطبق على ما بعد العملية من خروج سوريا من لبنان (وقد تم لهم ذلك) ثم ما سيلي من محاولة حصار حزب الله وتجريده من السلاح والتخلص منه.

وكان نصر الله يعرف جيدا بأن العالمين العربي والإسلامي يبحثان منذ غياب الزعيم عبد الناصر وخطبه الحماسية عن محرك لمشاعرهم بشكل مستمر. وهو يدرك أنه تم اختياره كشخصية كرزماتية بحسب دراسة صدرت عن المركز الملكي للبحوث والدراسات الإسلامية بالأردن من بين أكثر خمسين شخصية تأثيرًا في العالم الإسلامي، وأكثرهم شعبية في خطبه الحماسية ومؤتمراته الإعلامية. فهو يتحاشى دائما تكرار العبارات الخطابية المملة التي حفظناها عن ظهر قلب حتى فقدت معناها وهدفها وتأثيرها، على شاكلة:

(سنحرر فلسطين، سنهزم العدو الإسرائيلي، نشجب قرار رقم..، نندد بأعمال العدو في الأراضي المحتلة..) وغيرها الكثير الكثير. لذا لا نستغرب أن تتحمس الملايين لمتابعة مؤتمره الإعلامي الأخير، خاصة وأنه وعد بتقديم (قرائن) قد تتحول إلى (أدلة) على تورط إسرائيل في اغتيال الحريري.

وأياً كانت ردود فعل الشارع العربي والإسلامي التي تلت ذلك المؤتمر الإعلامي الذي طالما انتظرناه بين المؤيد وبين من عبر عن خيبته (كالكاتب أحمد أبو مطر الذي وصف كلام السيد بأنه «سرد حكايات وقصص تشبه الفيلم الهندي» ؟

موقع إيلاف 10/8/2010)، إلا أننا نقول إن نصر الله قدم ما لديه وربما احتفظ بدلائل أخرى إلى حين وقتها، وكنا نتمنى أن نطلع على المزيد، ولو كانت مجرد قصص وحكايات هندية لما طلب مدعي عام المحكمة الدولية الخاصة بلبنان، القاضي دانيال بلمار من السلطات اللبنانية تزويده بكل ما لدى الأمين العام لحزب الله من معلومات تتعلق بحادث اغتيال الرئيس الحريري، وأخذها محمل الجد، وليس الاستهزاء بها.

وما قدمه السيد حسن نصر الله كشف لنا على الأقل مدى الجهد والتخطيط المسبق والإمكانيات الهائلة التي يستخدمها العدو الإسرائيلي لتنفيذ جرائمه على أراضي دول أخرى أعضاء في الأمم المتحدة.

وأن الترتيبات المسبقة لاغتيال ولو ضابط صغير في أي مكان من العالم قد يمتد إلى شهور طويلة بل سنوات، وقد يجند لها العشرات من العملاء والمنفذين والمساعدين من كل مكان. وكنا نتمنى لو أن السيد أشار إلى عملية اغتيال القيادي الفلسطيني محمود المبحوح في إمارة دبي والتي كشفت التحريات عن تورط الموساد الإسرائيلي فيها.

بالطبع لم يتعد هدف الأمين العام لحزب الله توجيه الأنظار إلى مدى إمكانية تورط الموساد في هذه القضية، كما في قضايا أخرى باعتراف العملاء الذين ألقي القبض عليهم.

وهي ليست المرة الأولى ولن تكون الأخيرة التي يتورط فيها الموساد باغتيال وتصفية شخصيات عربية وإسلامية هامة سواء للتخلص منها أو لإثارة البلبلة. ولا يستبعد أن يكون من وراء اغتيال الحريري إشغال اللبنانيين فيما بينهم في الداخل وإثارة الخلافات بين الطوائف وترك إسرائيل في حالها. وقد تم لهم ذلك.

وكنا نتمنى لو أن تلك اللعبة لم تنجح على اللبنانيين. فهم الخاسر الأول والأخير. فقد قضوا خمس سنوات من عمرهم في خلافات ونزاعات واتهامات والبحث عن قرائن ودلائل والدفاع عن النفس، بينما إسرائيل تبني المستوطنات والشوارع والطرق وتوسع بنيتها التحتية وتحكم العالم. وكنا نتمنى لو وقف اللبنانيون صفا واحدا في اتهام إسرائيل لأنه ثبت لديهم في الآونة الأخيرة كم استهزأت بهم واخترقت صفوفهم وجندت عملاء من بينهم في خدمتها ليس إلا، لتحييدهم وتوجيه الضربة القاصمة لهم متى شاءت.

ولا يهم من كان يحمل تلك القرائن، حزب الله أم حزب الشيطان، المهم أن يكون موجها لأخطر عدو يقف على أبواب لبنان لابتلاعه بعد أن ينتهي من ابتلاع الضفة وغزة وما حولها. والحجة لديه جاهزة ولا تحتاج إلى خبراء، ويكفيهم استخدام ورقة تأمين حدود إسرائيل ليصبح لبنان في غمضة عين جزءا من إمبراطوريتهم الكبيرة التي يحلمون بها.

الأيام القادمة تخبئ للمنطقة ما لا يعلمه إلا الله؛ فإيران على قائمة التصفيات، وسوريا، ولبنان بكل تأكيد والسودان، والقائمة لم تكتمل بعد. والإسرائيليون باتوا يلعبون بكل ما لديهم من أوراق ؟ حتى ولو كانت خاسرة، وهم اليوم متورطون في عدة قضايا إجرامية على مستوى العالم، ولجان التحقيق بدأت تتزايد عليهم يوما بعد يوم.

ويجب ألا تعطى لهم الفرصة للإفلات، حتى وإن تناقضت مصالح قوى الرابع عشر من آذار مع مصالح الثامن من آذار. فمصلحة لبنان يجب أن تظل فوق مصلحة كل الطوائف والأحزاب والطبقات.

ولا يستمع إلى كل من يحاول ضرب هذا بذاك. فيكفي لبنان المائة وخمسون عميلاً الذين قبض عليهم، وربما هناك آخرون لم يكتشفوا بعد يعملون كأبواق إعلامية مشبوهة ومدفوعة الثمن غرضها إثارة الفتنة ونشر الفوضى والخراب وزرع الشكوك في بلد يعتبر أجمل بلدان العالم العربي على الإطلاق.

dralaboodi@gmail.com

جامعة الإمارات