لم تتوفر بعد المعطيات الكافية لتغيير الموقف الفلسطيني من مسألة المفاوضات المباشرة التي تطالب الولايات المتحدة الطرفين الفلسطيني والإسرائيلي بالانتقال إليها، ما يدعو للاعتقاد بأن زيارة جورج ميتشل للمنطقة منتصف الأسبوع الماضي، لا تخرج عن الإطار الروتيني الذي اتسمت به زياراته السابقة.

الفلسطينيون يشعرون بالظلم الشديد، ذلك أن الأطراف التي تطالب بالانتقال للمفاوضات المباشرة تتجاهل حقيقة أن إسرائيل هي المسؤولة وحدها عن تعطيل الجهد الأميركي والعربي الساعي لاستئناف المفاوضات، وإحياء العملية السياسية، وبالتالي فإن الضغوط ينبغي أن تتوجه لتذليل هذه العقبة، لا أن تتوجه فقط للطرف الفلسطيني الذي قدم كل ما يلزم لإنجاح هذه الجهود.

ميتشل وصل إلى المنطقة بعد رسالة كان قد وجهها الرئيس الأميركي للرئيس الفلسطيني لا تحمل أية ضمانات أو إجابات عن أسئلة الفلسطينيين، وبعد بيان أميركي ـ بريطاني يطالب باستئناف المفاوضات المباشرة، يضفي قدراً واضحاً من الجدية إزاء ضرورة دفع المفاوضات قدماً، غير أن تلك الرسائل وغيرها كانت موجهة لطرف واحد هو الطرف الفلسطيني.

يتضاعف الشعور بالظلم من قبل الفلسطينيين، لأن الولايات المتحدة والأوروبيين يتجاهلون الموقف الفلسطيني الذي يتبنى شرط وقف الاستيطان والاتفاق على إطار مرجعي للمفاوضات، وهو موقف نظري ينسجم مع الالتزامات الواردة في خارطة الطريق، مع أن إسرائيل التي تبدو أنها متحمسة للمفاوضات المباشرة، تفرض شروطاً عملية على أرض الواقع.

هنا تصبح الشروط الفلسطينية عبارة عن مطالبة محقة جداً لإسرائيل التي لا تتوقف عن فرض شروطها التي تنسف جوهر عملية السلام.

في معظم المرات التي قام فيها ميتشل بزيارة المنطقة، تعمدت إسرائيل اتخاذ قرارات أو إجراءات استفزازية، بقصد التحدي وتأكيد تمسكها بمواقفها ولحرف الزيارة عن هدفها، وأيضاً لدفع الفلسطينيين نحو تقديم المزيد من الشكاوي التي تجعلهم قادرين على تبرير أي تنازل عن مواقفهم المعلنة.

قبل الزيارة الأخيرة التي قام بها ميتشل الأسبوع الماضي، قامت الجرافات الإسرائيلية بتدمير قرية العراقيب البدوية في منطقة النقب، وتشريد مئات الأسر الفلسطينية بدعوى أنها قرية غير معترف بها، وأن بيوتها عشوائية وغير مرخصة.

السلوك الإسرائيلي الاستفزازي ضد الفلسطينيين في النقب يستهدف في المدى المباشر، تعطيل مهمة ميتشل ودفع الفلسطينيين نحو أقصى درجات الاستفزاز، والتمسك بمواقفهم، ولكنه على المستوى البعيد يندرج في سياق السياسات الحكومية الهادفة لتهجير الفلسطينيين وتعميق ظواهر التمييز العنصري ضدهم.

في الواقع ثمة صراع على الوقت، فيما يفضل الفلسطينيون تمرير المزيد منه ؟الوقت- إلى أن تتحرر الإدارة الأميركية من استحقاق الانتخابات النصفية للكونغرس الأميركي التي ستجري في نوفمبر المقبل، بينما تسعى إسرائيل إلى استثمار هذا الوقت لفرض أجندتها على المفاوضات المباشرة إذا تقرر لها أن تنطلق قبل وقت كاف من الاستحقاق الانتخابي الأميركي، وطالما أنها ؟إسرائيل- ماضية بدون عراقيل في تنفيذ سياستها التهويدية والاستيطانية.

على أن إسرائيل التي تملك زمام المبادرة، مما جعل الموقف الأميركي يتكيف مع سياستها ومواقفها، ستظل الطرف الأقدر على التحكم بمسارات الحركة، حتى بعد الاستحقاق الانتخابي الأميركي.

المقصود أن على كل من يتابع عملية الصراع، والمحاولات الرامية لإحياء عملية السلام، أن يلاحظ بأن إسرائيل تملك من الأوراق ما يجعلها قادرة على تحويل أو تعديل التوجهات والتحركات الدولية من أجل السلام.

إن إسرائيل تواصل التحريض على الحرب في المنطقة والتحضير لها، و في هذا الإطار فقط يمكن فهم الاشتباك الحربي الذي وقع في جنوب لبنان وبادر إليه الجيش الإسرائيلي، وفي هذا الإطار أيضاً تندرج الاعتداءات الإسرائيلية المتكررة على قطاع غزة، والتهديدات التي لا تتوقف ضد حركة حماس التي تسيطر على القطاع، وأردفتها باتهامات للحركة بأنها هي التي تقف وراء عملية إطلاق الصواريخ التي وقعت في العقبة الأردنية وإيلات.

وبالإضافة إلى المواقف الإسرائيلية المعروفة والمتصاعدة إزاء البرنامج النووي الإيراني، وإزاء حزب الله في لبنان، فإن إسرائيل تواصل مراكمة الذرائع لاستخدامها في الوقت المناسب. لقد كان لافتاً تقديم مندوبة إسرائيل في الأمم المتحدة، شكوى لمجلس الأمن تحمل حماس مسؤولية إطلاق صاروخ من نوع جراد، سقط في مدينة عسقلان قبل ثلاثة أسابيع دون أن تقع خسائر، وتماماً كما كان لافتاً إسراع إسرائيل إلى تقديم شكوى على لبنان، إثر الاشتباك الذي وقع مع الجيش اللبناني في قرية العديسة.

على أن من الضروري الانتباه إلى أن الموقف الفلسطيني تحرك بمرونة مرتين، الأولى حين ذهب الفلسطينيون إلى لجنة المتابعة العربية التي منحتهم موافقة على المفاوضات المباشرة وتركت للرئيس محمود عباس تحديد شروطها وتوقيتها، والثانية حين أعلن الرئيس عباس عشية وصول المبعوث الأميركي جورج ميتشل، بأنه يقبل أن تأخذ الرباعية الدولية موقفاً إزاء مرجعية أو إطار المفاوضات .

وأيضاً إزاء الاستيطان هذا التحرك قد يساعد كثيراً في تقريب ساعة إطلاق المفاوضات المباشرة، فهو يعفي إسرائيل من الاستجابة للشروط الفلسطينية وبالتالي يعفي نتنياهو من الحرج إذا اضطر لإجراء تغيير على مواقفه المتصلبة وأيضاً يعفي الولايات المتحدة التي لن تضطر للضغط على إسرائيل أو زيادة الضغط على الفلسطينيين بما قد يؤدي إلى انفجار العملية السلمية.

وفي هذه الحالة فإن أي موقف يصدر عن الرباعية لن يتجاوز حدود إطلاق الوعود، إذ من غير المنتظر أن هذا الموقف الجماعي في حال اتخاذه سيكون ملزماً لكل طرف على حده من أطرافه، حين تستدعي الضرورة امتحان هذه المواقف.

وفي الخلاصة، فإن الموقف الفلسطيني الذي يعاني من انقسام عميق وضعف وانقسام عربي، هو الذي يترتب عليه أن يدفع ثمن انطلاق المفاوضات المباشرة حتى لو اقتضى الأمر إبداء المزيد من المرونة.

كاتب فلسطيني

talalokal@hotmail.com