17 عاما من قضم الأرض وبناء المستوطنات وهدم البيوت ومصادرة الممتلكات وبناء الجدار وقهر الأحلام الوطنية لم تقنع الفلسطينيين أن مسيرة أوسلو كانت واحدة من أكبر الأخطاء في تاريخ النضال الوطني الفلسطيني، وأن سلطة أوسلو كانت مصيدة، فبها ومن خلالها تم نبذ خيار الكفاح المسلح، وأحيط برجاله، فصاروا في الذهن العام أشبه بكائنات ديناصورية غير صالحة للمرحلة التي تتطلب مساومات وعلاقات بأجهزة استخبارية، وتفهم لمخاوف إسرائيل وانصياع لما تمليه واشنطن.

ونجحت الولايات المتحدة ومعها الاتحاد الأوروبي في أن يمثلا معا الحبل السري الوحيد الذي يمكن من خلاله تمرير المساعدات أو قطعها... لتكريس واقع يجعل حياة السلطة وموتها بيد الادارة الأميركية، ويحول المنظمة معها من حارسة أمينة للأحلام الوطنية ومناضلة في سبيلها إلى «بودي جارد» يسهر على أمن إسرائيل ويحول دون وصول تلك العناصر غير المنضبطة التي مازالت تتحدث عن المقاومة او الكفاح المسلح إلى المستوطنات أو تكدير صفو دوريات الاحتلال ولو عبر الاشارة او الاحتجاج السلمي.

وحين رضي صاحب الحق الأصيل في أن يكون في خدمة جلاده تحت دعاوى التسوية والسلام، تحول المتمسكون بالحقوق إلى «ممانعة».. ولم يعد مهما أن تدفع العواصم العربية أنصبتها في المساعدات التي تقررها القمم.. إذ أن الدافع وراء المساندة (وهو استعادة الحقوق) لم يعد موجودا.

في الظروف الحالية تتصاعد الضغوط على السلطة لتوقيع الورقة الأخيرة.. صك الاستسلام الأخير بأن القضية انتهت، وبأن عموم الفلسطينيين قبلوا بالأوضاع الحالية..

مجرد أقلية موضوعة في معزل يمكن لدولة الاحتلال ان تكون كريمة معها فتسمح بتمرير الطعام والشراب والدواء إن رضيت عنها، ويمكن لها أن تغلق المعابر والمنافذ وتقطع الإمدادات وتسد كل شرايين الحياة كما فعلت مع قطاع غزة.

ومع الضغوط المحمومة التي تمارسها واشنطن ومعها الغرب والتي لاسابق لها في التاريخ الفلسطيني (على حد وصف محمود عباس) تعلو الأصوات الفلسطينية بالشكوى من العرب الذين لم يفعلوا شيئا وتركوا الفلسطيني وحيدا في مواجهة الضغوط، او كانوا مخلبا إضافيا لها.

ويلفت الانتباه أن الفلسطينيين حينما ذهبوا إلى أوسلو تكتموا الأمر واعتبروه سرا حربيا خطيرا لا يجوز إفشاؤه حتى لأقرب المقربين، أما اليوم فهناك سبب ما ( في الخفاء) يجعلهم حريصين على عدم التقدم خطوة الا بمشورة عربية وبقرار عربي واضح ومعلن، بل ووصل التخوف لدى البعض إلى درجة أن طرفا ما ربما يطلب تكوين وفد فلسطيني ـ عربي، كي يكون التوقيع المطلوب أميركيا واسرائيليا باتا ولا رجعة فيه.

كل وقائع التاريخ تقول ان مائدة المفاوضات هي التي تحسم أي نزاع مهما طال، لكن التاريخ لم يشهد حركة تحرر رمت بكل أوراقها في عرض البحر ونبذت حقها المشروع في الكفاح المسلح ثم حصلت على أي شيء..

والسلطة اعتبرت نفسها منذ البداية الأكثر وعيا ونضجا وفهما لمتطلبات الواقع.. وتصور بعضهم أن استقباله بحفاوة في بيوت قادة إسرائيليين ومزارعهم ذات يوم يعني أن الحل قد أصبح قاب قوسين أو أدنى..

هؤلاء تناسوا أنهم أنفسهم كانوا مجرد ورقة يتم التلويح بها في مواجهة الذي جرب مماحكات إسرائيل ثم اقتنع أن البندقية وحدها هي الكفيلة بإقناع الإسرائيلي أن يبحث عن حل جدي.

ورغم أن شامير قال ذات يوم انه كفيل بأن يدير مفاوضات مع العرب تستمر 10 سنوات دون أن تفضي إلى شيء، فإن نتانياهو وباراك وبيريز وليبرمان يستطيعون أن يفعلوا الشيء نفسه لمئة عام.

يبدو ان الفلسطينيين نسوا أنهم يتعاملون مع ذئاب ومجرمي حرب، وليس مع الفريق التفاوضي للملك سليمان.