تزخر إسرائيل بالقوي المهووسة والمهجوسة بلغة الاستعلاء وتحريض نخب السياسة والحكم على استخدام أدوات القوة لإملاء سلام الأمر الواقع على العرب والفلسطينيين. وخلال العقدين الماضيين توسعت هذه القوي وانتشرت وفرضت حضورها الفاعل في الخريطتين الفكرية والسياسية، إلى أن تمكنت من رقبة عملية صناعة القرار.
كان صعود ما يعرف باليمين الديني المتطرف والعلماني العنصري بزعامة بنيامين نتنياهو وأفيجدور ليبرمان ومن والاهما، مقابل إنزواء ما يوصف جدلاً بمعسكر السلام، أبرز آيات العلو الكبير لهذه القوي في العامين الأخيرين.
نتيجة لهذه الحقائق، أصبح المشهد الإسرائيلي، اجتماعياً وسياسياً، مفعم بمظاهر التشنج والاستفزاز ضد الجوار العربي اللصيق (من جنوب لبنان إلى غزة) والجوار الإقليمي الأبعد نسبياً عبر إجراء مناورات وتدريبات تضمر التلويح بضربة عسكرية وشيكة لإيران، فضلا عن الغزو الدموي لقافلة الحرية التركية.
القصد، أن المتابع لا يعجز عن إيجاد صلة عضوية بين ما يعتمل ويتفاعل في جوف إسرائيل، وبين ما يتجلى عن هذه المعطيات الداخلية من سلوك خارجي.
ومع ذلك، لا يعدم هذا المشهد وجود ناجين من حالة الاهتياج والفوران المحيطة بهم، ممن تمكنوا من الاحتفاظ بالقدرة على مد البصر والبصيرة إلى ما هو أبعد وأعمق من مواطئ الأقدام..نشير بذلك إلى النزر اليسير من أصحاب الرؤي الشاملة (الاستراتيجية)؛ الذين يضعون في حساباتهم أن إسرائيل ليست اللاعب الوحيد في الساحة الإقليمية، وأن ثمة متغيرات ومستجدات جرت وتجري على الصعيدين الإقليمي والدولي لا ينبغي لها أن تغفلها وهي تعالج بعض قضاياها المصيرية..
ينتمي إلى هذا الفريق آري شافيط (المعلق بصحيفة هآرتس) الذي كتب في 22/7 الماضي، محذراً رئيس وزرائه نيتنياهو وبطانته من محاولة الاقتداء بسلفة إسحق شامير وتعليق التسوية مع العرب والفلسطينيين إلى أجل غير مسمى.
يعتقد شافيظ أن أحوال العرب والعالم قد تغيرت عما كانت عليه قبل عشرين عاماً.. ففي 1990 كان بوسع إسرائيل ضرب أي موضع في الشرق الأوسط في الوقت الذي تراه مناسباً لها.
أما في 2010 فقد أصبح في إمكان «أعداء إسرائيل» ضرب أي هدف فيها طبقاً لأجندتهم هم.. «...فحماس قادرة على ضرب وسط تل أبيب بعشرات الصواريخ المزودة برؤوس متفجرة زنة الواحد منها 150كجم. وحزب الله قادر على قصف وسط إسرائيل بمئات الصواريخ من طراز سكود، وتملك سوريا وإيران طاقات صاروخية هائلة».
ويمضي شافيط إلى أن ساحة الشرق الأوسط كانت أكثر استقراراً إبان مرحلة الانفراد الأميركي بالقطبية العالمية، حين تمكنت واشنطن من بناء تحالف إقليمي معتدل ملائم لسيادتها الدولية.. حتى أن إسرائيل أحبطت انتفاضتين فلسطينيتين. أما في 2010 فان هذه الساحة ما عادت مستقرة وأصبحت الولايات المتحدة في حالة انكفاء، وتنافسها قوي شرق أوسطية (كإيران) ترى نفسها قوى إقليمية كبرى، فيما الدول الموصوفة بالاعتدال والراعية للاستقرار محرجة ومرتبكة.
يخلص صاحبنا من ذلك إلى نصيحة مفادها أن السنوات السمان بالنسبة لإسرائيل على وشك الأفول، وأنها باتت مهددة عسكرياً على نحو لم تعرفه منذ نهاية الحرب الباردة. وإذا ما استمرت الأحوال على هذا النحو فان الانفجار الكبير بوجهها يقف على الأبواب.. وأن نتنياهو لا يملك خيار شامير ولا رفاهية الحفاظ على الوضع الراهن.
وعليه أن يأخذ بخيار مناحم بيجين حين وقع السلام مع مصر.. وإلا فسوف يشبه جولدا مئير التي اندلعت حرب أكتوبر 1973 أثناء رئاستها للوزارة.
نحسب أن شافيط لم ينطلق في نصيحته من غيرة على السلام العادل ولا عن محاباة للعرب أو الفلسطينيين أو إيران. وإنما هو ببساطة رجل أوتي حكمة المطالعة الصحيحة لأوضاع إسرائيل في عالم متغير..
انها الأوضاع التي ساقته إلى مناشدة قيادته بوقفة تأمل للحقائق المتفاعلة من حولهم، صيانة لمصير ربما كان مؤلماً جداً لهم ولكيانهم.. مصير يصفه هو بأنه «سقوط محتوم ولا مناص منه» إذا لم يتم استدراك سياسة الكل أو لا شيء. ولو كان المقام يسمح لاستطردنا وبسطنا على الملأ معطيات موضوعية أخرى تؤكد صحة توجه هذا الرجل في اعتقاده بأن إسرائيل لم تعد الآن ولا هي في المستقبل بالقوة القادرة على إملاء ما تريد.
لكن يكفي أن نشير إلى أن هذه الدولة تبقى كياناً مشدوداً إلى محددات صارمة، لا يمكنها الفكاك من إسارها على صعيد عناصر القوة، جغرافياً وسكانياً واقتصادياً وعسكرياً، وقبل ذلك وبعده ثقافياً.
وأن مقاربة قيادتها الراهنة أو أية قيادة أخرى مقبلة لوضعها الاستراتيجي، بمعزل عن هذه المحددات، ستقودها في أجل ما إلى المصير الذي يتحدث عنه شافيط ومن على شاكلته.
كاتب وأكاديمي فلسطيني