أكرمني الله بزيارة بيته الحرام لأول مرة في حياتي منذ أيام قليلة، حيث أديت العمرة، وطفت بالكعبة المشرفة وقمت بالسعي بين الصفا والمروة، وزرت المسجد النبوي الشريف في المدينة، ولاشك أنها رحلة متميزة عن أي رحلة أخرى لأي مكان آخر في الدنيا، خاصة عندما تأتي بعد اشتياق طويل وبعد ردح من العمر تراكمت فيه الذنوب والخطايا، وكثر فيه الجدل الفارغ مع النفس، وبقدر حلمي واشتياقي لهذه الرحلة، بقدر خوفي ورهبتي من رؤية البيت الحرام والوقوف أمامه لأول مرة.
وهو الموقف الذي حدثني وحذرني منه الكثيرون ومن وقعه النفساني والروحاني، خاصة وأنني كنت وحدي في الرحلة بدون أي رفيق، ولهذا أعددت نفسي جيدا لهذا الموقف، ودخلت المسجد الحرام حتى وصلت باحته ووقفت أمام الكعبة، وأنا متماسك القوى والأحاسيس والمشاعر، ولم يحدث شيء غريب معي للوهلة الأولى، فبدأت الطواف، وطفت الشوطين الأول والثاني دون أن يحدث شيء ما.
وفي الشوط الثالث، بين الركن اليماني والحجر الأسود، انتابني إحساس غريب لم أشعر به من قبل، وكأنني ضيف ثقيل وبخيل أتى إلى بيت الله خالي القلب واليدين إلا من الذنوب والخطايا، ورغم هذا يسر الله لي رحلتي إلى بيته أفضل تيسير، ولهذا لم أتمالك نفسي، وحدث ما كنت أخشى وأقاوم حدوثه.
تمالكت نفسي لكي أكمل طوافي بهدوء، ولم أجد ما يخرجني من هذه الحالة سوى أن ألتفت حولي للناس الذين يطوفون معي لعلي أنشغل بهم عن حالتي، وهم أجناس مختلفة أتوا من كل بقاع الأرض، وأول ما لفت نظري رجل وزوجته تبدو عليهما الملامح الأوروبية الشمالية، يرتديان زي الإحرام، والرجل يسير خلف زوجته واضعا يديه على ظهرها وممسكا جهاز «أيفون» صغير يقرأ منه بلغة عربية ثقيلة يبدو أنه لا يجيدها.
والزوجة تردد وراءه كلمة بكلمة « ربنا.. آتنا.. في.. الدنيا.. حسنة.. وفي.. الآخرة.. حسنة» هكذا كان يقرأ الرجل وزوجته تردد خلفه كلمة بكلمة وحرف بحرف، وسألت نفسي « ما لهؤلاء الناس الذين ينطقون العربية بصعوبة بالغة ويأتون قاطعين آلاف الأميال من بلاد نسميها نحن بلاد الكفر، ومتخلين عن عادات وتقاليد مجتمعاتهم الغربية، ليلبوا نداء الله، ترى كم يكون ثوابهم بالمقارنة بثوابنا نحن أصحاب اللغة العربية والمسلمون بالميلاد؟س.
وأثناء الطواف لفت انتباهي أيضاً ثلاث فتيات تبدو عليهن الملامح الشرق آسيوية، ربما من ماليزيا أو إندونيسيا، يطفن معا، وإحداهن تضع على أذنها الهاتف المحمول، ويبدو أنها تستمع إلى أحد يلقنها الأدعية والتسابيح وتردد خلفه بصوت عالٍ فتردد خلفها الفتاتان الأخريان، وهي وسيلة ذكية ومقبولة للاستغناء عن مطوف مرافق بالأجر ويصعب متابعته باللغة العربية بسبب سرعته، وهناك آخرون يحملون الهاتف المحمول المسجل عليه الأدعية والابتهالات يقرؤونها في طوافهم وسعيهم.
وأثناء السعي بين الصفا والمروة شاهدت رجلين وامرأتين افترشوا الأرض وجلسوا يتحدثون بالعامية العربية بصوت عالٍ في شؤون دنياهم، وأحدهم يتحدث في هاتفه المحمول مع شخص آخر، على ما يبدو أنه في بلد آخر، وبصوت عالٍ يسمعه الجميع، وحديثهم لا صلة له بالسعي أو الطواف، وليس من الدين في شيء، بل على العكس، تتخلله ألفاظ لا تليق بقدسية المكان، مثل قوله « الواطي النذل مابيصحاش من النوم قبل الظهر».
هكذا دخلت تقنيات الاتصالات الحديثة في شعائر الطواف والسعي في بيت الله الحرام، ولكن بأشكال وأساليب وثقافات وسلوكيات مختلفة، ولكن للأسف الشديد أن النسبة الأكبر من السلبيات كانت لدى أصحاب اللسان العربي الذين لا يشعرون مدى النعمة التي هم فيها بأنهم عرب يتحدثون العربية، بينما الآخرون يعانون المشقة في نطقها ويصبرون عليها تقربا إلى الله سبحانه وتعالى.
elmoghazy@hotmail.com