للفلسطينيين حكومتان، واحدةٌ في رام الله يقالُ منذ ثلاثة أعوام إنها لتصريف الأعمال، وثانيةٌ تُرمى بأنها مُقالة، وتناطِحُ العالم بأنها صاحبةُ الشرعية. ومضيعةٌ للوقت ومجلبةٌ للغمّ، التثبّت من شرعية هذه أو تلك. لذلك، يصيرُ الأوْلى الالتفاتُ إلى «شمائلَ» يشتركان فيها، إن وُجدت، وإلى «مساوئ» يشتركان فيها، إن وُجدت أيضاً.

ولمّا جاءت الأخبار قبل أيام عن تنسيقِ الحكومتين في إعلانِ نتائجِ الثانوية العامّة في وقتٍ واحد، يمكن حسبانُ هذا الأمر فضيلةً لهما. وفيما نحنُ في خيْبَتِنا إياها من استحالةِ وصولِ حركتي فتح وحماس إلى مصالحةٍ، تنهي ما نعرفُ وما لا نعرفُ من شناعاتٍ أحدثها الانقسام والتقسيم بين «جناحي الوطن»، فيما نحن على تلك الخيبة، باغتَنا التقريرُ الجديد للهيئة المستقلة لحقوق المواطن، بأن انتهاكاتٍ مريعةٍ لحقوقِ الفلسطينيين في كل جناح، ما زالت ترتكبها أجهزة أمن السلطة ونظيرتُها التابعة لحكومة حماس.

وكان الظنُّ أنَّ هذه الانتهاكات، ومنها تعذيب المعتقلين والموقوفين، تراجعتْ بفعلِ ضغوطِ منظماتٍ وتشكيلاتٍ حقوقيّة فلسطينيّة ودوليّة، بادرت غيرَ مرّةٍ إلى التأشيرِ إلى تلك الفظاعات المشتركة، ونُشرَ قبل أسابيع أنّ تحسناً جيّداً استجدّ في أداء الأجهزة المذكورة بشأن المعتقلين والموقوفين، وهم، على الأغلب، فتحاويون في غزة، ومن حماس في الضفة.

الهيئة المستقلة لحقوق المواطن من أنزه التكوينات الحقوقية العربية، وذات استقلاليّة ومهنيّة عاليتين، ومن المفارقة أن هذه سمتها وهي التي أنشأها الراحل ياسر عرفات. يقول تقريرها الجديد إنها تلقت الشهر الماضي 132 شكوى ضد الأجهزة الأمنية في الضفة الغربية، منها 11 من فلسطينيين يدّعون تعرضهم للتعذيب أو سوء المعاملة، ومن أشكال التعذيب الشبحُ والضربُ واللكمُ والضربُ على القدمين.

ويذكر التقريرُ أنّ الهيئة تلقت الشهر الماضي 56 شكوى ضد الأجهزة الأمنية في القطاع، ادعى مقدمو ستٍّ منها تعرضهم للتعذيب وسوء المعاملة. وتنوعت أشكالُ التعذيب بين الشبح ساعاتٍ طويلة، والضرب على القدمين وتقييد الأيدي إلى الخلف، وتعليق الجسم بخُطّافٍ في نافذةٍ مرتفعة، وعصبِ العينيين لفترات طويلة، إضافة إلى الضربِ بالعصيّ، والركلِ بالأرجل.

هو تقريرٌ مطولٌ وغيرُ شائق، أوردت فيه الهيئة المحترمة ما قد لا يكونُ محبذاً الاستطراد فيه في يومٍ رمضانيٍّ فضيلٍ، غير أنَّ ما يبدو ملحوظاً من تنافسٍ بين أجهزةِ الأمن التابعة لكل من حكومتي السلطة وحماس في ارتكاب الانتهاكات، لا يمكنُ التعميةُ عليه، فهي تتنوع بين تعذيبٍ واعتقالاتٍ تعسفيّةٍ وفصل من الوظيفة ومنع من السفر، والتفاصيل في شأن هذا كله تدين الحكومتين سواء بسواء.

ولنتذكر أن الاعتقالات السياسية المتبادلة كانت وستبقى إحدى أهم عوائق المصالحة المشتهاة، ولننظر دائما في حدّة القسوة في تعذيب المعتقلين لدى كل طرفٍ، ما يسوّغ السؤال عن مقادير الكراهية المزمنة في نفوس ناسٍ من السلطة ضد ناسٍ في حماس، والعكسُ صحيح.

في الشهور الثمانية الأولى بعد حسم حماس العسكري في غزة، قضى فلسطيني من الحركة في أحد سجون السلطة في الضفة، وقضى في سجونها خمسة من فتح.

وكان مروّعاً ما نشرته في تحقيقٍ مميز اسمه «ثمن الكراهية»، الصحافية نائلة خليل في موقع إلكتروني، فازت به بجائزة سمير قصير لحرية الصحافة، ومنه أن المعتقل من حماس لدى فتح في نابلس مجدي جبور تم تعذيبه بغرز المفكّات في جسده، وأن المعتقل من فتح لدى حماس في غزة طارق منصور جرى تعذيبه بدقّ المسامير في قدمه.

يُصابُ قارئ التحقيق بالفزع، حيثُ الشبْحُ المتواصل وتوثيق الأيدي والأرجل بالجنازير والتكبيل الدائم، وهذه بعض «شمائل» وحّدت مسلكيات أمن السلطة في رام الله وأمن خصومها في غزة، تركت الاثنتان ندوباً وإعاقاتٍ على أجسادِ مئاتِ المعتقلين لديهم.. وتتركان فينا الأسى تلو الأسى.