هذا السودان وطن غير محظوظ إطلاقاً. هكذا فاجأني رد الدكتور منصور خالد وأنا أنقل إليه اختفاء طائرة جون قرنق في ظروف غامضة مما يرجح نهايته. الفضول المهني دفعني وقتئذ لمهاتفة منصور في السباق الصحافي لإجلاء مصير الطائرة.
يومها كان منصور في جوهانسبيرغ ولما يكن قد علم بإرهاصات حادث الطائرة. المهاتفة جاءت بغية الحصول على رقم هاتف مسؤول أوغندي. عند أكثر من منعرج سوداني عدت تذكرت مقولة منصور خالد القصيرة البليغة.
في معظم الفترات السياسية في ظل اتفاق نيفاشا أثبتت الجملة المختزلة صدقية إذ ردد مضمونها عديد من المراقبين. تجربة الشراكة بين المؤتمر الوطني والحركة الشعبية أكدت حنكة قرنق في تجاوز المطبات السياسية إبان حياته قصيرة الأجل. عقب هبوطه الخرطوم وقبيل إقلاعه الأخير منها راكم قائد الحركة الشعبية في مخيلة قطاع واسع من السودانيين صورة الزعيم السياسي المقتدر.
سحر كاريزما قرنق الآسرة يتجسد في عقلية ديناميكية نافذة ومنطق متماسك وطرح مبسط مشوب بالمرح. عبر هذا النهج الوقاد يبدو الرجل مقنعاً حتى عندما يكون كمن يجمع الشيء ونقيضه وتبني الموقف وضده دون إرباك نفسه أو الآخرين.
في شخصية قرنق ما يعينه على هذا التوهج. ذلك عسكري محترف وزعيم حرب عصابات متمرس وأكاديمي بشهادة رفيعة في مبحث بنيوي وخطيب مفوه ومحاور دؤوب. داخل الحركة الشعبية فرض قرنق نفسه ـ على الرغم من تناقضاتها ـ قائداً لا ينازع. تحت مظلة التجمع الوطني ـ مع أحزاب الشمال ـ بدا الزعيم الجنوبي أكثر من ند للقيادات التاريخية. في مرحلة نيفاشا، غدا قرنق زعيماً وطنياً فوق الآخرين. جميع اللاعبين في الحلبة السياسية يخطبون وده.
في كل ذلك ظل جون قرنق منسجماً مع طروحاته السياسية. الأزمة كما يراها ليست جنوبية أو غربية أو شرقية بل هي أزمة وطن مركزية. قرنق تمسك بوحدويته حتى الإقلاع الأخير. عبر هذه المقاربة عالج كل العقبات من الغابة إلى القصر. بهذه الرؤى انتزع الرجل احترام الجميع ومحبتهم.
بعد رحيله ظل المتوجسون من الإنفصال يستدعونه عند احتدام الخلاف المزمن بين الشريكين بقناعة في الليلة الظلماء يفتقد البدر. لدى هذه المطبات تذكرت غير مرة جملة منصور خالد «هذا السودان وطن غير محظوظ إطلاقاً». المؤرخ السياسي المعاصر ألقاها في أناة تلقائية.
ربما من هول الصدمة جاءت في أناة مشوبة بالبرود. لما تواترت خلافات الشريكين على نحو بدا السودان أقرب إلى حافة الانفصال، عدت قرأت حكمة منصور على نحو آخر. الأقرب للإقناع بات لدي أن جون قرنق رجل محظوظ. رحيل قائد الحركة الشعبية المباغت جاء وهو يحتفظ بوهجه الوقاد زعيماً سياسياً فوق الجميع.
التباين البنيوي بين المؤتمر والحركة أكبر من احتمال نسج شراكة وطنية ناجحة. ميزان القوى المفروض بمنطق نيفاشا ليس في صالح الحركة. هذا الاختلال جعل قرنق حريصاً على إبقاء قوى التجمع داخل دائرة الفعل السياسي.
مبدأ ترحيل الأزمات والمواقيت منح التيارات المتشددة في الجانبين فرصة تشكيل عنق زجاجة قابل للإلتهاب أو الكسر. جون قرنق ظل مستهدفاً من قبل تيارين داخل الشراكة. أحدهما جنوبي يرى فيه مخلِّصاً إذ أمَّن للجنوبيين حق تقرير المصير.
هذا التيار لم يكن مستعداً للخوض مع قرنق معركة السودان الجديد بل يؤثر على ذلك الانفصال. الآخر تيار شمالي يقدر لقرنق دوره في إطفاء نار الحرب الأهلية. هؤلاء يخشون من طروحات قرنق وشعبيته إذ ستحدث حتماً انقلابات في تابوهات تقليدية. الخلاص من قرنق شكل أمنية لأولئك وهؤلاء.
لو لم يأت رحيل قرنق المباغت والغامض لوجد الرجل نفسه يخوض أكثر من حرب على أكثر من جبهة تستنزف كل واحدة منها قدراته وتوقده وشعبيته. لا أحد يمكن تحديد على أي الجبهات كان في قدرة قرنق الانتصار أو الانكسار. لا خلاف على مقولة منصور خالد على أن »السودان وطن غير محظوظ« غير أنه قد لا يتقبل القول ان قرنق رجل محظوظ.