أصدرت «النزاهة الماليّة الدوليّة»، وهي مركز أبحاث أميركي، تقريرين متواليين حول التدفّقات المالية غير الشرعيّة الصادرة من البلدان النامية. اللافت للانتباه في التقريرين.

هو لجوء الباحثين الذين عملوا عليهما، وأغلبهم جامعيوّن واقتصاديوّن، إلى تقدير هذه التدفّقات انطلاقاً من المعطيات الرسميّة المتواجدة: وأهمّها مصرف التقاص الدوليّ (الذي يسجّل التحويلات المصرفيّة بين المؤسسات المالية حول العالم)، وصندوق النقد الدولي.

أثار هذان التقريران الاهتمام، لأنّهما قدّرا هذه التدفّقات غير الشرعيّة بحوالي تريليون دولار سنويّاً، أي أنّ الدول النامية تخسر سنويّاً عشرة أضعاف ما تحصل عليه من مساعدات.

ولا يقصد هنا الأموال المتأتيّة من الجريمة المنظمة والتجارات الممنوعة كالمخدّرات والأسلحة، بل بالأحرى من الثروات التي جُمعت بغير حقّ، والأموال المهرّبة من الضرائب والرسوم، وتلك التي مصدرها الغشّ في فواتير التجارة الخارجيّة وقيم الأصول المباعة.

حصّة العالم العربيّ من تدفّقات الأموال المهرّبة هذه «متواضعة»، إذ لا تصل سوى إلى 15% من المجموع، في حين تحتلّ الصين المرتبة الأولى عالميّاً. ولكنّ حجم التدفّقات العربية بالنسبة للناتج المحلّي (8% سنويّاً) هي من الأكبر في العالم، وإيقاع نموّها هو الأعلى، مع أنّ هناك معطيات لبعض البلدان العربيّة لم يمكن إحصاؤها.. ممّا يبشر بالخير للمستقبل (!).

هكذا يمكن ترتيب البلدان العربيّة في سجل بطولة حجم التدفّقات غير الشرعيّة، كما يلي: السعودية، الكويت، قطر، مصر، سوريا، ليبيا، المغرب، لبنان، عمان، إلخ... علماً أن لا معطيات عن الإمارات. أمّا إذا ما جاء التصنيف حسب نسبة هذه التدفّقات للناتج المحلّي للبلد: فيتغيّر الترتيب لتأخذ الكويت رأس القائمة، تليها قطر، ثمّ جيبوتي، والسعودية، والبحرين، وبعدها لبنان وسوريا، وعمان وتونس ومصر... إلخ. والنسب المعنيّة تتخطّى ال4 من الناتج، أي بمستوى ميزانيّات الصحّة أو التعليم مثلاً.

لم يكن قصد الباحثين فقط لفت الانتباه إلى الممارسات التي تؤدّي إلى خسارة أموال كبيرة لا تذهب لتنمية البلدان النامية، بل إدانة النظام المالي العالميّ الرسميّ (أي النظام المالي للدول المتقدّمة)، لأنّه عنصرٌ أساسيّ في هذه البطولة، ويستفيد منها، إذ إلى أين تذهب هذه الأموال؟ إلى مصارف العالم الغربي وإلى الجنّات الضريبيّة، بما فيها سويسرا وإيرلندا.

ولكن في حين اجتمع كثير من قادة الغرب على إدانة هذه الجنّات مؤخّراً، لمسؤوليّتها في الأزمة المالية العالمية (مثلاً في اجتماعات قمّة الثمانية الأخيرة)، لم تمتصّ هذه سوى.. ثلث التدفّقات «المهرّبة» من الدول النامية.

الرقم لا يزال كبيراً بالنسبة لحجم هذه الجنّات، إلاّ أنّ حصّة الأسد تذهب إلى المصارف المؤسسّاتية في الدول المتقدّمة، التي يدين التقرير الثاني «عدم شفافيّتها» حول هذا الموضوع، ويدعو دولها إلى «وضع سياسات تجعل امتصاص هذه الأموال غير الشرعيّة في النظام المالي... أصعب منالاً».

لا أحد يتوّقع أن تقوم الدول المتقدّمة بخطوة كهذه الآن، خاصّةً بعد أن تحوّل الاهتمام اليوم من مسؤوليّة المصارف وأسواق المال عن الأزمة، إلى ضرورة تقليص الميزانيّات الحكوميّة وإرساء سياسات تقشفيّة على المجتمعات. المشكلة ستبقى إذاً مستمرّة، ولكنّها ستطرح على المستوى البعيد إشكاليّتين أساسيّتين.

الأولى في البلدان المتقدّمة، وترتكز على العلاقة الوطيدة بين السلطة السياسيّة والنظام المالي، ومعرفة ما إن كانت الأزمات العالميّة ستؤدّي إلى تفكيك هذه العلاقة. والثانية في البلدان النامية، وتتمثّل باختصار في تجميع الثروة في أيدي البعض تحت راية الاستثمار والنموّ، وبين ضرورة أن تقوم الدولة بأخذ ضريبة محقّة من هؤلاء الأثرياء، لتوزيعها من أجل إقامة عدالة اجتماعية وتنمية. والإشكاليّتان لهما الأبعاد نفسها في الاقتصاد السياسي، مع الاختلاف في مكتسبات الحقبات السابقة.

وقد لخّص فرانسيس فوكوياما الأمر بالقول: «لن يكون هناك طلبٌ على الديمقراطيّة، إذا استطاع كلّ الأغنياء، ونخب كلّ الدول، إيجاد السبل إلى حماية ثرواتهم الخاصّة؛ لأنّه لن تكون لديهم عندها رغبة في التعاون مع الناس الآخرين لمقاومة الحكومات، لطلب الديموقراطية، ولمحاسبة هذه الحكومات (...).

وأريد أن أؤكّد على العلاقة الوثيقة والهامّة جدّاً بين قدرة مجتمعٍ ما على فرض الضريبة على أعضائه، وبين مطلب تمثيل حكومي فعلي لهذا المجتمع؛ فهذان الأمران مرتبطان بشكلٍ وثيق تاريخّياً؛ وعندما ينقطع هذا الارتباط فلن يكون الدعم إلاّ ضعيفاً لإرساء حكمٍ صالح. إذاً، كلّ ما يمكن أن يحدّ من قدرة الناس على تحويل الأصول (عبر الدول) والتهرّب من سيادة الدولة، فهو بالنسبة لي... هامٌّ جدّاً».

رئيس منتدى الاقتصاديين العرب

aita@mafhoum.com