تعلمنا من دمار مكتبة الإسكندرية في العام 415 قبل الميلاد، وما يعرف بانهيار حضارة المايا الغامض، أن المعرفة يمكن أن تفقد دون قصد، من خلال الفوضى والحروب. ولكن هل يمكن أن تفقد المعرفة عن قصد؟
هذا باختصار، هو اللغز المحير بشأن فكرة التخلص من الأسلحة النووية.
هل يمكن أن نضع العفريت، الذي حرره آينشتين، في قمقمه مرة أخرى؟ إذا لم يكن من الممكن تحقيق ذلك، فإنه ليست هناك أي ضمانة بأن مقترح خفض الأسلحة النووية، إلى مستوى الصفر، الذي طرحه الرئيس الأميركي باراك أوباما، يمكن أن يوفر أي نوع من الأمن. في الحقيقة، توهم أن المعرفة يمكن محوها، قد يجعل العالم مكاناً أكثر خطورة.
جلست، أخيراً، مع عدد من أبرز الخبراء الاستراتيجيين الأميركيين في مجال الأسلحة النووية من عهد الحرب الباردة، وأجرينا نقاشاً غير مسجل لتبادل وجهات النظر، بشأن الوعود والمخاطر التي تحملها أول محاولة جادة، منذ قصف هيروشيما وناغازاكي بالقنابل النووية، للسير بالبشرية إلى الخلف، بعيداً عن الحافة النووية قدر الإمكان. هؤلاء الرجال ذوو التجربة الغنية والخبرة الطويلة، كانوا أقرب إلى الرزانة من التسرع، عند الحكم على احتمالات السلام في عالم خال من الأسلحة النووية.
في خطابه الشهير في العاصمة التشيكية براغ في أغسطس 2009، دعا الرئيس أوباما للعودة إلى «سلام وأمن لعالم خال من السلاح النووي». ولكن، كما يشير الاستراتيجيون، فإن حربين عالميتين مدمرتين سبقتا الاستخدام الأول للسلاح النووي.
ومنذ ذلك الحين، وعلى مدى 65 عاماً، لم نر أي حرب من ذلك النوع بين قوى عظمى على نطاق عالمي. ورغم أن التاريخ لا يبوح ببدائله، فإنه يبدو كما لو أنه من المؤكد أن الردع النووي نجح، حتى الآن على الأقل، في منع محرقة نووية.
هذه حقيقة، حتى على الرغم من أن الأسلحة النووية لا تستخدم لأي غرض آخر بخلاف ردع استخدامها. احتمال محو الحضارة البشرية، كما نعرف، يجعل كل أسباب خوض الحروب تتهاوى أمامه.
في النهاية، فإن الخوف وليس الثقة المتبادلة، هو الآلية التي تجعل العدو يبقى بعيداً. إذا كانت المعرفة والتكنولوجيا لإنتاج أسلحة نووية متوفرتين، فمن يستطيع أن يكون واثقاً من أن التعهدات بمحو هذه الأسلحة تصدر عن نية صادقة؟ وعندما يتعلق الأمر باحتمال حدوث محرقة نووية، فإن الطريق الأكثر أمناً هو توقع الأسوأ، وليس الأفضل، من جانب عدو محتمل.
باختصار، إن عالماً خالياً من الأسلحة النووية، ولكن كل طرف فيه يملك التكنولوجيا اللازمة لصنعها من جديد، ربما يكون عالماً أكثر فوضى من عالم يشهد سباق تسلح متسارعاً، ولكن يحاول الجميع فيه التغلب على أفضلية وأسبقية الآخر.
بدلاً من الاتجاه نحو مستوى الصفر في الأسلحة النووية، والانشغال بالأرقام، يقول الاستراتيجيون، إن التركيز يجب أن يكون على خفض أكثر أنواع الأسلحة زعزعة للاستقرار، مثل الصواريخ متعددة الرؤوس، أو الصواريخ المتحركة التي يسهل إخفاؤها. سيؤدي ذلك إلى استقرار أكبر، وليس أقل.
بالتأكيد هناك فرصة كبيرة لخفض جذري لترسانات الأسلحة النووية، وهو ما بدأت اتفاقية «ستارت» الجديدة تحقيقه، انطلاقاً من الأسلحة الأكثر زعزعة للاستقرار. كما أنها تضع ضوابط تمنع إطلاق الصواريخ النووية، من دون إذن أو عن طريق الخطأ. طالما كان هناك توازن، ولو في الحد الأدنى، الأمر الذي يضمن التدمير المتبادل، فإن الردع سيصمد.
بؤرة الاهتمام الأخرى، يجب أن تنصب على وسائل ردع أخرى غير نووية. مع أن الكثير منها يمكن أن يسبب عدم الاستقرار إذا حدثت فجوة كبيرة بين الخصوم، سواء أكانت حقيقية أو وهمية.
وللأسف، يبدو أن الطريقة الوحيدة التي يمكن بها محو تكنولوجيا الأسلحة النووية من الوجود، هي قيام حرب نووية تدمر الحضارة البشرية التي أفرزتها. وبدلاً من هذه النهاية الكارثية، فإنه يجب العمل على بناء نظام استقرار، بدلاً من الحلم بعالم خال من الأسلحة النووية.
محرر نشرة «نظرة عالمية شاملة» وزميل في معهد نيكولاس بيرغروين
opinion@albayan.ae