حسناً فعلت الهيئة العامة لتنظيم الاتصالات بقرارها وقف خدمات البلاك بيري ابتداءً من 11 أكتوبر 2010. لقد حظيت مخاطر هذا الجهاز بالكثير من النقاش لجهة الأمن الوطني والاجتماعي وإصرار الشركة الكندية المزودة للخدمة على الاحتفاظ بالبيانات في سيرفراتها من دون أن تسمح للجهات الوطنية صاحبة الشأن باتخاذ إجراءات حمائية إلخ.

ومع أن دولة الإمارات تكون بذلك واحدة من الدول القليلة في العالم التي تلجأ إلى هذا القرار الحاسم، فإن النقاش حول منع أو تحديد خدمات البلاك بيري هو نقاش مفتوح في العديد من دول العالم القريبة والبعيدة على السواء.

ومع تقديري لأهمية الدوافع التي أدت بالهيئة إلى هذا القرار الحاسم، فإن استحساني له نابع من زاوية تربوية خالصة، ويساورني شعور قوي بأنني لست الوحيد الذي توسّم خيراً بذلك القرار، وأن العديد من الآباء شعروا ؟ مثلما شعرت أنا - بالارتياح الشديد.

فقد طفح الكيل بالفعل، وصار البلاك بيري بمثابة أزمة صامتة تعصف بجيل كامل من أطفالنا ابتداءً من سن خمس سنوات فما فوق. وروى لي عدد من أصدقائي كيف أن أبناءهم تحولوا إلى ما يشبه «المساطيل» الذين يعيشون في حالة من التوحد ضمن عوالمهم الافتراضية، ولا يكلون ولا يملون من التحديق في شاشات تلك الأجهزة الصغيرة التي ترافقهم على مدار ساعات صحوهم.

واشتكى بعضهم من أن الأمر لم يعد يقتصر على الجانب التربوي والاجتماعي، بل تحول إلى مشكلة مادّية حقيقية، فرب الأسرة الذي لديه خمسة أطفال، لديه في نهاية كل شهر خمس فواتير بلاك بيري تضاف إلى كومة المصاريف المتزايدة.

لقد أدى ضغط ثقافة الاستهلاك إلى تآكل الخط الفاصل بين الضروريات والكماليات، فاختلط الحابل بالنابل، وصارت كل تقليعة جديدة بمثابة دعوة ملحّة للتقليد والاستهلاك بلا حدود. وفي هذا المناخ الثقافي غير الصحي تحول دور الأب من التربية إلى التمويل؛ صار الأب عبارة عن جهاز صراف آلي تتلخص وظيفته في تلبية طلبات الأبناء للمال.. والمزيد من المال. واستكان بعض الآباء لهذا الوضع معتقدين أنهم بذلك يدخلون السعادة في نفوس أبنائهم.. هل من رسالة أسمى من أن تعيش لإسعاد أبنائك؟!

اعتقدوا أنهم بذلك يجسّدون معاني العطاء والإيثار والحنان. وشعروا بالحبور والرضا لقيامهم بكل ما يمكن فعله كي لا يشعر أبناؤهم أنهم أقل من أقرانهم مالاً أو حظاً. والأب مستعد، في سبيل ذلك، لأن يعمل لساعات أطول، وربما لجأ لاقتراض المال. لا بأس في ذلك، المهم ألا يظهر في عيني ابنه كأب مقصّر أو عاجز عن الدفع.

عندما يكون لدى طفل فلان جهاز بلاك بيري، فمن غير اللائق ألا يكون لدى طفلي واحد مماثل. ولا يهم إن كان ثمة حاجة فعلية لوجود ذلك الجهاز في أيدي أطفال لم يبلغوا العاشرة بعد! وهذا بالطبع لا ينحصر في موضوع البلاك بيري، إذ يحدث أن يطالب الابن اليافع أباه بسيارة فارهة لأن صديقه أو زميله أو جاره أو ابن عمه حصل على واحدة اشتراها له أبوه.

وعندما يتعلق الأمر بفلان وابن فلان وابن أخت علان وابنة فلانة فإن خيارات الأب تغدو محدودة، ويُسقط في يديه فلا يجد أمامه غير التنفيذ، بل قد يكون الأب أكثر تحمّساً من الابن على مجاراة الآخرين لئلا يبدو في منزلة أدنى من الآخرين.

يبدو أننا نسينا أو تناسينا المثل الذي تعلمناه أباً عن جد، والقائل ان القناعة كنز لا يفنى، وبالتالي أخفقنا في أن نغرسه في نفوس أبنائنا. ولو فعلنا لخرجنا وأخرجناهم من دوامة التقليد الأعمى والمزايدة في اقتناء الكماليات. فما أن تنجح في شراء ذلك الشيء المادي لابنك أو ابنتك إلا واقتنى «أحد ما» من المحيط العائلي والاجتماعي أفضل منه. وعليك الآن المزايدة عليه مرة أخرى وهكذا لا تنتهي الدوامة.

أهو رخاء مادي؟ أم رخاوة في معايير التربية الصحيحة؟ حنان زائد؟ أم مقامرة بمستقبل جيل كامل من أبنائنا؟

أم لعلّه تكريس لثقافة التقليد الأعمى؟

يحضرني هنا الحديث الشريف: «لتتبعن سنن من كان قبلكم، شبراً بشبر، وذراعاً بذراع، حتى لو دخلوا جحر ضب تبعتموهم». قبل سنوات قليلة كنّا نعيش من دون خدمات البلاك بيري. وما المشكلة في أن نعود للعيش من دون ذلك الجهاز بعد 11 أكتوبر المقبل؟ إنني واثق من أن العديد من الآباء والأمهات سيشعرون بأن أبناءهم عادوا إليه، أو على الأقل عادوا إلى أنفسهم، وتوقفوا عن التحديق المتواصل في الأزرار عبر ثرثرات غير منتهية وغير ذات معنى.

هذا من جانب. ومن جانب آخر، نحن بحاجة إلى استثمار الجدل حول البلاك بيري، ليقوم كل منا بمراجعة ذاتية نستعيد فيها ملامح الخط الفاصل بين إسعاد فلذات أكبادنا، وبين حمايتهم من الفساد.

salem.alshair@gmail.com