سأورد لكم ترجمة من الفرنسية لفقرة وردت في كتاب (الهويات القاتلة ـ نشر الكتاب باللغة الفرنسية عام 1998) للكاتب والروائي اللبناني المسيحي العربي الفرنسي أمين معلوف، يقول فيها: (هؤلاء الأعراب الذين عاشوا حتى ذلك الوقت على هامش التاريخ، تمكنوا في عشرات من السنين فقط أن يصبحوا أسياداً على مساحة شاسعة من الأرض تمتد من أسبانيا إلى الهند. لقد تم لهم ذلك كله بطريقة منسقة ومنظمة، وتحترم نسبياً الآخرين، ودون الغلو في العنف غير المبرر).
كان ذلك في سياق حديثه عن كيفية تحول أكبر ديانتين في تاريخ الأرض: الإسلام والمسيحية إلى طريقين متقاطعين بين الماضي والحاضر. فحسب رأيه كانت بداية المسيحية بداية دموية مرعبة ثم انتقلت شيئاً فشيئاً إلى الحرية والديمقراطية والتسامح. بينما بدأ الإسلام في بداياته بالتسامح وقبول الآخر ثم تحول في وقتنا الحاضر إلى التطرف والغلو وعدم قبول الآخر.
هذه القضية هي حديث اليوم ولا بد من طرحها من جديد للنقاش. وأياً كانت صحة هذه الفكرة، أو عدم صحتها، فالكل مطالب بمراجعة النفس، لأن الواقع العربي والإسلامي في الوقت الراهن أصبح مأساوياً على جميع الأصعدة. وهذا الواقع ازداد سوءاً منذ أن وضعت مجموعة لاجئة من الصهاينة أقدامها على شواطئ فلسطين، وانتشروا من هناك كالنار في الهشيم، تماماً كما فعلوا أينما وضعوا أقدامهم. فحق عليهم لقب (المفسدون في الأرض).
الخطورة ليست في احتلال فلسطين، بل في موضع آخر. فهل نحن العرب والمسلمون ـ ليس من حيث نحن في نظر الآخرين، بل في واقع الأمر ـ بعد أن كنا سادة الأرض، أصبحنا متطرفين في كل شيء ومجرمين وإرهابيين وقتلة ومحبين للحروب والدسائس والنساء والشهوات والشراهة وغارقون في الكسل؟ وإلى أي مدى تكون صحيحة تلك المعلومة؟
يفترض في مراجعة النفس البدء بالاعتقاد بصحة الاتهام. فإن كان صحيحاً وجب تغيير الواقع ولا هوادة في ذلك، وإن كان خاطئاً، فيكفينا أن نكون على حق.
تقرير صحة أو عدم صحة الاتهام تعتمد على من يقرر؟ فالمتطرفون في جميع الحضارات والأديان لا يقرون بتطرفهم ويعتبرونه سلوكاً شرعياً تبيحه لهم شرائعهم وفق تفسيراتهم لما ورد في نصوص كتبهم الدينية. والآخرون في المقابل يرونه تطرفاً من وجهة نظرهم التي شكلتها عوامل مختلفة، منها تربوية ومنها ثقافية ومنها تاريخية.
لكن الجميع متفق على أن العرب والمسلمين أصبحوا يشكلون في الوقت الراهن قضية مثيرة للجدل والنقاش على مستوى العالم. ونظرة على ما نراه ؟ وليس ما نسمعه ؟ فإن الدم العربي ودم المسلم يسيل في كل بقاع الأرض. وألصقت كلمة العنف بالمسلمين وارتبطت لفظة الشهوات (النساء والمال والطعام) بالشخص العربي.
وكأن المسلمين وحدهم من يمارس العنف والعرب وحدهم من يفرط في الشهوات. بينما فضائح الغرب بمن فيهم إسرائيل لا تقل عن ذلك إن لم تزد عليه. ولعب الإعلام دوراً في إشهار هذا وتغطية ذاك. نحن لا يهمنا ما يفعل الآخرون، بل ما نفعله نحن.
فكيف نتعلم ألا نسرف في القتل كما ورد بصريح العبارة في القرآن الكريم؟ وكيف نحول أنفسنا من جيوش وطوائف تقاتل نفسها إلى جبهات تعمل ليل نهار لتلحق بركب العلم والحضارة؟ إذا كنا نحارب طوال هذه العقود من الزمن لاسترجاع شبر واحد من فلسطين، فإن ذلك لن يتأتى لنا بناءً على الواقع الذي نعيشه، ولم يستطع اليهود أن يتحكموا في أقدار العرب والمسلمين والعالم بأسره إلا بعد أن تسلحوا بالعلم، وجندوا المال، وتعاونوا فيما بينهم. وإن فشلوا في أمر فلأنهم تخلوا عن واحدة منها.
المحزن في وضعنا الراهن يأتي من أننا كنا في يوم من الأيام خير أمة أخرجت للناس نأمر بالمعروف وننهى عن المنكر ونؤمن بالله. وهذه الأسس الثلاثة هي التي جعلت المسلمين (سادة) الأرض وأوصلتهم إلى أقاصيها شرقاً وغرباً وشمالاً وجنوباً.
وهي أسس لا تحتاج إلى مجهود جبار في تطبيقها ولا إلى ذكاء حاد لفهمها. وعلى الغرب أن يدرك أن إرهاب المسلمين لم يأت إلا بعد أن غرزوا نصل الدولة الصهيونية في قلب أمتهم، وبعد أن استعمروهم وقتلوهم وامتصوا دماءهم ونفطهم وظلموهم وجندوهم في حروبهم.
فهل نطلق على ما يفعله المسلمون والعرب اليوم إرهاباً أم دفاعاً عن النفس أم انتقاماً أم ردة فعل طبيعية لما فعله الغرب بنا على مر الزمن؟ هل نطلق على الأفغاني الذي يرى الطائرات الحربية الأميركية تبيد قرية عن بكرة أبيها بسبب خطأ في الاستخبارات، إرهابياً لأنه قرر أن ينتقم لأهله الذين ذبحوا أمام عينيه؟ هل نطلق على الفلسطيني الذي يحفر خندقاً لتأمين حليب أطفاله قاتلاً لأنه محاصر حتى الموت؟ وهل في العراق وهل في اليمن وهل في لبنان وهل وهل وهل؟
إسرائيل ترتكب الجريمة والعالم يتهم لبنان. إسرائيل تقتل الآلاف وتهدم البيوت وتسرق الأراضي وتقتلع الأشجار، والعالم يتهمنا بالإرهاب (بينما نحن لم نقتل جملاً)، بل نقتل أنفسنا. إسرائيل تمتلك الآلاف من القنابل النووية ومن أسلحة الدمار الشامل، والعالم يقتص من إيران ومن أهالي غزة، الطائرات الأميركية تقصف المدنيين العزل في أفغانستان وتعلن أن ذلك نتج عن خطأ، ويقتل جندي أميركي في أفغانستان ويصبح ذلك إرهاباً.
ليس لأننا على باطل وهم على حق، بل لأننا لا نملك مقومات الدفاع عن النفس، ولم نتفق بعد على كلمة واحدة. وهذه سنة الحياة. فهل نحن قادرون اليوم على أن نراجع أنفسنا ونستعيد مكانتنا ونأخذ حقوقنا؟
نحن قادرون.
ولن يجرؤ بعدها حفنة من المتخلفين أن يرموا الإسلام بأنه دين الشيطان، وأن يتهجم على رسولنا العظيم رسام كاريكاتيري في الدنمارك، أو تقتلع إسرائيل غصناً من شجرة يملكها عربي أو مسلم، أو يتبجح رئيس جمهورية أوروبية ديمقراطية فاقد لشعبيته بتلقين المسلمين دروسه في تغيير مفاهيم وتقاليد الإسلام ونزع الحجاب والنقاب وسحب الجنسية من أصحابها ممن لهم جذور مسلمة أو عربية. بينما لا يجرؤ في المقابل على التلفظ بحرف واحد ضد ما تفعله إسرائيل في حق الأبرياء.بعدها، لكل حادثة حديث....
جامعة الإمارات
dralaboodi@gmail.com
