يقال بأن المفاوض الذكي لا يرفع سقف مطالبه ولا يطرح أفكاراً وشعارات أو يقر أسساً للتفاوض، قبل التيقن من أنه لن يتراجع عنها لسبب أو آخر. في الوقت ذاته، يقال بأنه لا يتمتع بالحنكة التفاوضية من لا يتحسب لاحتمال ورود ضغوط عليه من اتجاه أو آخر داخلي أو خارجي، تجبره على التراجع عن بعض عروضه.
على سبيل التوفيق بين هذه التعميمات شبه المتعارضة، يسمح فقه التفاوض لمن يخوض التجربة بتعظيم مطالبة وتضخيمها إلى أقصى حد، شريطة أن يضع في اعتباره أنه سيهبط بها إلى حد أدنى.. وعادة ما يكون هذا الحد هو السقف الذي لا يمكن الانحدار إليه من دون إيقاع خسائر جسيمة بالقضية موضع الخلاف.
نعرف من السوابق أن إجبار طرف ما على القبول غير المشروط بالحد الأقصى لمطالب طرف آخر، أمر لا يتحقق إلا في حالة الانتصار الساحق لطرف على آخر.
وفي هكذا نموذج لا نكون بصدد عملية تفاوض حقيقية، تقتضي الأخذ والرد والمقايضة وصولاً إلى ما يرضي طموحات المتفاوضين بشكل نسبي، وإنما بصدد إملاءات ليس أمام المهزوم إلا الإذعان صاغراً لها. حدث هذا مثلاً في نهاية الحرب العالمية الثانية، حين أذعنت دول المحور وقبلت بالصكوك التي أملاها عليها قادة الدول الحليفة المنتصرة بلا أدنى تعقيب.
التفاوض بمعناه النظري وتطبيقاته العملية عموماً أشبه بعمليات الكر والفر ولي الأذرع الهادفة لصيانة الحقوق أو تحصيل مكتسبات مضافة. وفي الصراعات المريرة الممتدة والمعقدة، كالصراع الإسرائيلي العربي، لا يمكن للمفاوض أن يصل إلى أبعد مما تسمح به موازين القوى، التي يدخل في تحديدها مروحة واسعة من العناصر المادية المنظورة والمعنوية غير المنظورة.
أول مقتضيات نجاح المفاوض في هذا الإطار هو وعيه لهذه الموازين في حالتيها الثابتة والمتغيرة؛ بحسابات شديدة الحساسية ليس فقط عند لحظة التفاوض وإنما أيضاً على صعيدي المستقبل القريب والبعيد.
بناء على كل ما تقدم، ربما كان أحد عيوب المقاربة الفلسطينية والعربية للتفاوض مع الجانب الإسرائيلي ومحازبيه، انطلاقها من استشعار الضعف الذاتي. وهذه وضعية انحدر في سياقها البعض إلى درك الإحساس بالهزيمة وعدم القناعة بإمكانية الصمود والانتصار، وديمومة اختلال موازين القوى لصالح الطرف الآخر.
ونحسب أن هذه المقاربة المعيبة هي المسؤولة عن اضطلاع هذا البعض بحث المفاوض الفلسطيني أو العربي على تخفيض سقف مطالبة بشكل متواتر، دون مراعاة لحد أدنى أو خطوط حمراء.
تقديرنا أن أصحاب هذه المقاربة أو المنهجية من المرجفين مخطئون تماماً في معالجتهم لموضوع التفاوض، وينبغي نبذهم ونبذ آرائهم ظهرياً تحقيقاً للسلامة المادية والمعنوية للمفاوضين. فإسرائيل ومحالفوها ليسوا غافلين عن أصول التفاوض، وما كان إقدامهم عليه إلا عن دراية بأنهم لم يلحقوا بالطرف الآخر هزيمة تبرر إملاء شروطهم عليه بالكامل.
نود القول بأن إسرائيل منذ نشوئها وصولاً إلى لحظتنا الراهنة، لم تبلغ في استقوائها حد القدرة الطليقة على إملاء ما تريد. لكن هذا لا يعني أنها لا تسعى إلى ذلك. وهناك قوى إسرائيلية تغلو في حساباتها وتكييفاتها، بحيث تتصور أن دولتهم لديها طاقة إملاء تسوية إذعانية على العرب مجتمعين في حد أقصى وعلى الطرف الفلسطيني منفرداً في أضعف الفروض. هذا هو الهاجس الذي يراود بنيامين نيتنياهو والمؤتلفين معه في المشهد الحكومي الإسرائيلي الراهن!
والحق أن فكرة الإملاء هذه محكوم عليها بالفشل على الرغم مما توحي به المعالجات الظاهرية. آية ذلك أن كل الضغوط التي تراكمت على المفاوض الفلسطيني عبر العقدين الماضيين، لم ترغمه على التخلي عن أهم ثوابت حل الدولتين الذي أسست له وثائق أوسلو وتوابعها.
لا توجد وثيقة تفاوضية «رسمية» فلسطينية واحدة تقول بأن هذا المفاوض وقع على ما دون خطوط 1967، بما فيها القدس الشرقية، كحدود للدولة الفلسطينية.. كما لا توجد وثيقة مماثلة حول التنازل عن حقوق اللاجئين أو تسليم بنتائج الاستيطان الصهيوني في رحاب هذه الخطوط.
رب مجادل هنا بأن هناك نيات للتراجع عن بعض هذه الثوابت، كالقبول بإمكانية استبدال أراضي المستوطنات بمناطق مساوية لها في المساحة والقيمة، وتبني حل مراوغ بالنسبة لحق اللاجئين في العودة.. لكن التفاوض وطرح العروض بشأن هذه القضايا شيء، و«التوقيع» على الإملاءات الإسرائيلية بهذا الشأن شيء آخر.
ما تريده إسرائيل هو التفاوض المؤدي إلى التنازل والتوقيع. وهذا أمر يتعين على المفاوض الفلسطيني عدم الوقوع في أحابيله. ومن مستلزمات هذا الحذر أن يقر في وجدان هذا المفاوض أنه ليس طرفاً ضعيفاً لا حيلة له.
فلو كان كذلك لما مورست عليه ضغوط لكي يفاوض من الأصل. ومن هذه المستلزمات أيضاً، الإيمان بأن مفتاح التسوية الشاملة للصراع على أرض فلسطين وجوارها، وإشعار الكيان الصهيوني بالاستقرار والأمن والديمومة، هو بين يدي الشعب الفلسطيني وليس في جيب أحد آخر في هذا العالم الفسيح.
كاتب وأكاديمي فلسطيني