الجهد الأميركي الحثيث والجدي الذي تزامنت انطلاقته مع دخول الرئيس براك أوباما البيت الأبيض، وصل في حقيقة الأمر إلى طريق مسدود وإن بدا أن هذا الجهد لا يزال متواصلاً وفعالاً.

منذ البداية صدر عن البيت الأبيض ما يفيد أن الولايات المتحدة لا يمكنها أن تفرض سلاماً على الإسرائيليين والفلسطينيين، لكن الوقائع اللاحقة أكدت أن هذا صحيح بالنسبة للإسرائيليين، وأن الإدارة الأميركية لا تتورع عن استخدام الضغط لتفرض على الفلسطينيين مواقف وتنازلات لا يرغبون في تقديمها.

وعدا عما هو معروف عن عمق التحالف الأميركي- الإسرائيلي، والتزام الولايات المتحدة بحماية إسرائيل وضمان تفوقها العسكري على كل ما ومن حولها، فإن الإدارة الأميركية تتهرب من ممارسة الضغط المطلوب على إسرائيل، بأن مثل هذا الضغط قد يؤدي إلى فرط الائتلاف الحكومي الذي يرأسه بنيامين نتنياهو، الأمر الذي سيؤدي إلى إضاعة المزيد من الوقت.

الولايات المتحدة تعرف كما يعرف الكثيرون أن الأزمة لا تكمن في آليات التفاوض إن كانت مباشرة وثنائية لأكثر من خمسة عشر عاماً، في وقت نجح فيه نتنياهو بتشكيل ائتلافه الحكومي، غير أن النتيجة كانت إلى الخلف دائماً.

الضغط الأميركي ـ الإسرائيلي من أجل الانتقال إلى المفاوضات المباشرة، يستهدف إخضاع الطرف الفلسطيني، وإرغامه على التنازل عن كل ما يعتبره استحقاقات مطلوبة من إسرائيل التي تراها شروطاً، كما أن ذلك من شأنه أن يعيد الأوضاع إلى المربع صفر، حيث يتحكم ميزان القوى في طبيعة وأهداف العملية التفاوضية.

إن المفاوضات المباشرة ستمكن إسرائيل من التحكم في سير المفاوضات بما في ذلك إهدار الوقت، ومواصلة تكريس وتوسيع الوقائع الصعبة على الأرض، وبما في ذلك أيضاً إجهاض العملية التفاوضية، إلى أن ترسم إسرائيل حدودها بعيداً عن التدخلات الخارجية، ورقابة الآخرين بما في ذلك الولايات المتحدة.

لجنة المتابعة العربية التي اجتمعت في القاهرة يوم الخميس التاسع والعشرين من الشهر الماضي، وبالرغم من التصريحات الفردية لبعض وزراء الخارجية العرب التي تؤكد على الموقف الفلسطيني، تلك اللجنة اتخذت قراراً بإجازة الانتقال إلى المفاوضات المباشرة، وتركت للرئيس محمود عباس أن يقرر شروطها وظروفها وبداياتها.

من جانبها رحبت اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية بالقرار العربي، بالرغم من اتساع نطاق المعارضة الفلسطينية سواء من داخل المنظمة أو من خارجها. وإذا كانت موافقة اللجنة العربية على الانتقال للمفاوضات المباشرة، تعبر عن واقع الهوان والانقسام والضعف العربي، فإن موافقة اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير تعبر أيضاً عن ضعف الوضع الفلسطيني الذي لا يملك الكثير من الخيارات، والذي تستحكم فيه لغة وآليات الانقسام والصراع الداخلي.

وفي الواقع يمكن تفسير موقف اللجنة العربية انطلاقاً من التالي، فإما أن قرارها يشكل أقصى الدعم للرئيس محمود عباس، إذ يخوله باتخاذ ما يراه مناسباً في إطار الموافقة على المفاوضات المباشرة، وإما أنه يعني بأن العرب يكتفون بإسداء النصح للرئيس عباس، وإن عليه أن يتحمل المسؤولية عن قراره قبولاً بالمفاوضات أو رفضاً لها.

لاشك أن الرئيس محمود عباس في وضع حرج للغاية، فالضغوطات تنال عليه من كل جانب، من إسرائيل، ومن الولايات المتحدة، ومن دول أوروبا الغربية وأطراف الرباعية الدولية، ومن العرب، وأيضاً من الفصائل الفلسطينية التي رفضت معظمها قرار اللجنة العربية.

اختراق صاروخ من نوع غراد الهدوء الذي يسود بين قطاع غزة وإسرائيل، ليصل إلى قلب مدينة عسقلان داخل إسرائيل، وفر ذريعة لقيام الطيران الحربي الإسرائيلي بقصف عدد من المواقع الفلسطينية، رافقته تهديدات بأن على قطاع غزة أن ينتظر ما هو أسوأ مما وقع خلال الحرب الأخيرة على القطاع.

مثل هذا التصعيد المحدود والمحسوب لا يمثل سوى مجرد رسائل قصيرة، إذ ترغب حماس في تأكيد مصداقيته رفضها للمفاوضات المباشرة، وترغب إسرائيل في ممارسة رد انتقامي مقرون بتحذير عملي، بأن إسرائيل لن تتسامح في حال استمر الفلسطينيون في إطلاق الصواريخ.

على أن ثمة أبعاد أخرى للرسالة الإسرائيلية الدامية، وهي أن إسرائيل التي ذهبت إلى مجلس الأمن بشكوى، إنما تريد تهيئة المجتمع الدولي بقبول ذرائعها في حال بادرت إلى شن حرب أخرى على قطاع غزة، قد تكون وسيلتها لإفشال المفاوضات المباشرة في حال وقعت.

وفي كل الأحوال فإن الأمل ضعيف جداً في أن تحقق المفاوضات المباشرة اختراقاً قبل نهاية هذا العام، فالإدارة الأميركية ستظل محكومة لرغبتها في شراء أصوات وتأثير اليهود الأميركيين في الانتخابات النصفية للكونجرس التي ستجرى في شهر نوفمبر المقبل.

إذا كان الأمر كذلك فإن الأشهر المقبلة حتى نهاية العام، ستعطي خلالها إسرائيل وقتاً كافياً لخلق وقائع جذرية، قد تؤدي إلى قلب طاولة المفاوضات، وتجميد العملية السلمية لوقت إضافي.

ويبدو أنه من غير المناسب تجاهل حديث الرئيس الإيراني محمود أحمدي نجاد عن خطة إسرائيلية- أميركية لشن حربين، وحديث الرئيس السوري بشار الأسد، عن أن المنطقة تبتعد عن السلام بقرار اقترابها من الحرب.

وفي هذه الحالة فإن الفلسطينيين مرشحون لأن يكونوا أول ضحاياها، ما يستلزم منهم الذهاب فوراً إلى المصالحة وإنهاء الانقسام الفلسطيني الذي عدا عن أنه يضعف الفلسطينيين ويحد من قدرتهم على مجابهة الضغوط والمخاطر والتحديات، فإنه يشكل نقطة ضعف شديدة، حين يتوجهون للعرب أو للعالم الخارجي فضلاً عن أنه يقدم لإسرائيل الذريعة للانتقام من كل الأطراف الفلسطينية.

كاتب فلسطيني

talalokal@hotmail.com