تصلح القمم العربية التي عقدت منذ غزو العراق للكويت وحتى اليوم موضوعاً لمسلسل كوميدي بامتياز، فقد بدأت بتقاذف الأطباق في قمة القاهرة الطارئة (9 - 10 أغسطس 1990) وانتهت بمناقشة إعلان الحرب على إسرائيل في قمة سرت (27- 28 مارس 2010).
ويبدو أن المفارقة التي حدثت حين استضافت الجزائر قمة عام 2005 كانت تقول دون قصد ما الذي يجب أن تتوجه إليه هذه المؤسسة التي تعاني من الزهايمر، فيومها اقتاد رجل أمن جزائري يستقل دراجة نارية أحد الوفود إلى مصحة طبية بدلًا من أن يتوجه به إلى فندق هيلتون حيث تعقد القمة.
وروى الرئيس الفلسطيني محمود عباس قبل نحو أسبوع مشهداً كوميدياً حدث في القمة الأخيرة لرؤساء تحرير الصحف المصرية بقوله «في سرت قالوا «نحارب» وأحصوا دباباتهم فوجدوها أكثر مما بحوزة إسرائيل، وكذلك فعلوا بالطيارات، وقالوا لدينا 2000 طائرة وإسرائيل لديها 1500 فنستطيع أن نهزمها، ثم عادوا وقالوا: «لا نبغي نحارب مش قصدنا».
من المضحك طبعاً أن تناقش قمة عربية هذا الخيار، أو تتصور ونحن في بداية العقد الثاني من القرن 21 أن الحرب مجرد دبابات وطائرات.. ونحمد الله أنهم لم يتصوروا أن عدد الخيول والسيوف كفيل بانتزاع النصر فيها، لكن هذا هو حال العرب، يتصورون أنهم يمكن أن يقولوا للشيء كن فيكون دون دراسة متأنية واستعداد جدي للقرارات المصيرية سلماً أو حرباً، ولذلك فإن حصادنا من الهزائم والنكسات ليس قليلًا، بل ربما أكبر من الحصاد المر لأي جيل آخر.
بالطبع لو تجرأ أحد، وأخذ يشرح متطلبات الحروب من خطط استراتيجية وعقيدة قتالية وبنية صناعية وعداها من امكانات يجب أن تتوفر لانتزاع النصر، لاتهموه بالخبل. فمن يجهل الشيء يعاديه، وتكفي نظرة واحدة على العالم العربي لإدراك أن العرب لو ظلوا على حالهم لن ينتصروا ولو بعد ألف عام.
فرغم مئات المليارات التي أنفقت منذ بدء الطفرة النفطية وحتى الآن لم ينشأ مصنع سلاح واحد ينتج ولو طلقة ذخيرة توحد الله على امتداد الوطن العربي باستثناء مصر التي ورثت مصانع حربية من حقبة الستينات ولأنها اعتبرتها تركة ثقيلة حولت كثيرا منها للإنتاج المدني، وحلت الثلاجات والغسالات والمراوح الكهربائية محل محركات الطائرات وراجمات الصواريخ..
وأظن آن العرب استراحوا لفكرة السلاح المعلب الذي يذهب أغلبه إلى المخازن. وفي الغالب ليس هناك وقت لفتح كونتينيرات السلاح فضلًا على التدرب عليها أو الرغبة في معرفة تكنولوجيا تصنيعها.
العقيدة القتالية هي الأخرى تعاني عطباً شديداً إذا استثنينا حركات المقاومة، فهناك حالة انبهار وإعجاب خفي بإسرائيل تسربت من وعي القادة إلى وعي النخبة الثقافية ثم إلى الوعي العام.. وتكرس عقدة التفوق الإسرائيلي التي اتضح أنها مجرد وهم في حرب 1973 وحروب المقاومة التي تلتها. ومع ذلك فإن الإلحاح الدعائي يحول إخفاقات إسرائيل الحربية والاستخبارية إلى نجاح.
يجرنا ذلك إلى الآلة الدعائية، فإعلامنا يفتقر إلى المصداقية حتى من جانب صناعه، فكيف يكون مقنعاً للرأي العام المحلي أو العالمي، على العكس تماماً من الإعلام الإسرائيلي الذي ينظر العرب إلى ما يبثه وكأنه حقائق لا تقبل الشك أو الجدل..
والفارق الجوهري أن في إسرائيل مؤسسات دولة (أجهزة مخابرات ـ أجهزة أمن ـ جهاز دبلوماسي) يصنع الإعلام ويوجهه لتحقيق مصالح الدولة العليا، فيما يقوم بهذه الأدوار عندنا سمير القائد أو نديمه، وهو في الغالب لا يزن الأمر إلا بميزان ماذا يعجب شخص الحاكم أو لا يعجبه.
حتى الإقدام الذي ميز العرب والذي عبر عنه الشاعر القديم بقوله :(إذا قصرت سيوفنا عن أعدائنا/ مددنا خطانا نحوها فتطول)، حتى ذلك لم يعد موجودا ولأن الشعر حضر فليس أفضل من هذا الختام ..زعم الفرزدق أن سيقتل مربعا/ أبشر بطول سلامة يا مربع.