تواجه روسيا محنة كبيرة بسبب الحرائق المشتعلة في أكثر من سبعمائة مكان منذ منتصف يونيو المنصرم، والمستمرة حتى الآن بسبب الارتفاع الحاد والقياسي في درجات الحرارة والتي تجاوزت المعدلات التي شهدتها روسيا طيلة تاريخها .

حيث تعدت في بعض المناطق الأربعين درجة مئوية، وهي نسبة قد تكون عادية في بلدان الدول الواقعة في مناطق المناخ الحار، لكنها أمر غير عادي في بلد شمالي قطبي مثل روسيا التي يغطيها الجليد معظم شهور السنة، وهذه المفارقة والشذوذ المناخي الغير عادي والغير متوقع له تأثير كبير على كل نواحي الحياة في روسيا، بداية بالإنسان وصحته المتلائمة مع الطقس البارد.

ومرورا بباقي الكائنات الحية الموجودة على أرض روسيا، ومنها النباتات والأشجار التي خلقت للعيش في المناطق الباردة، ولهذا فهي تحترق وتشتعل من تلقاء نفسها عندما تواجه درجة حرارة عالية وغير عادية.

وهذا ما حدث في روسيا خلال الأسبوعين الماضيين منذ اندلاع الحرائق التي تجاوز عددها الأربعمائة وخمسين حريقا ممتدا على مساحة تقدر بأكثر من مائة وخمسين ألف هكتار، معظمها من الغابات والمزارع، حيث احترق أكثر من ألف ومائتي منزل وأصبح ساكنوها بلا مأوى، كما بلغ عدد الموتى من جراء هذه الحرائق أكثر من خمسين شخصا.

ورغم اندلاع الحرائق على مسافات غير قريبة من العاصمة موسكو إلا أن دخان هذه الحرائق غطى العاصمة كلها وحجب الرؤية في الطرقات، ومازالت درجات الحرارة مرتفعة و مازالت الحرائق مستمرة، ويشارك في عمليات الإطفاء أكثر من مائة وستين ألف شخص، والآلاف من آليات الإطفاء، وعشرات الطائرات.

وزادت خطورة هذه الحرائق مع اقترابها من أماكن حيوية واستراتيجية، مثل المفاعلات النووية و أماكن تخزين الأسلحة النووية، حيث جرت العادة منذ زمن الاتحاد السوفييتي على تخبئة هذه المنشآت الإستراتيجية والسرية في وسط الغابات الكثيفة والعالية الأشجار.

وهذه الغابات بالتحديد هي التي تتعرض للحرائق الآن، وقد كادت بالفعل أن تحدث كارثة كبيرة في الأسبوع الماضي كادت أن تهدد أمن المركزِ النووي الفدرالي الروسي الذي يعد من أهم المواقع الإستراتيجية في روسيا ، ويوجد في مدينة ساروف التي تحيط بها الغابات من كافة الجهات.

وتقع هذه المدينة على بعدِ 160 كيلومتراً فقط من بلدة فيكسا التي اندلع في محيطها حريق هائل التهم حوالي 20 ألفَ هكتارٍ من الغابات والأراضي الزراعية، وكانت حركة هذه النيران تسير باتجاه ساروف لتهدد بخطر كارثةٍ نوويةٍ حقيقية، لولا إسراع فرق الإطفاء والطائرات إلى هناك حيث تمكنوا من إخماد الحرائق قبل وصولها.

إنها حقا كارثة كبيرة، ومن يشاهد الصور التي التقطتها الأقمار الصناعية لمناطق الحرائق في روسيا يتخيل مشاهد الحرب العالمية الثانية والحرائق والدمار منتشر في كل مكان، ويقدر البعض حجم هذه الحرائق بأضعاف حرائق غابات اليونان عام 2007.

ولكن هذه الحرائق تشكل بالنسبة لروسيا درسا تاريخيا هاما، مفاده أنه لمواجهة الكوارث ولدواعي الأمن القومي يجب توقع حدوث أي شيء، حتى ولو كان شيئا شاذا أو غير طبيعي، فمن كان يصدق أن ترتفع درجات الحرارة في موسكو لتتعدى الأربعين درجة، ولكن هذا حدث ويمكن أن يحدث كثيرا في المستقبل.

ولقد أثبتت الحكومة الروسية ورئيسها فلاديمير بوتين كفاءة عالية في مواجهة الكارثة، حيث توجه بوتين إلى مواقع الحرائق ليتفقدها بنفسه أكثر من مرة على مر الأيام الماضية، وأمر باستدعاء قوات الجيش للمساعدة في الإطفاء وفي بناء المساكن الجديدة للذين احترقت منازلهم.

وشدد على ضرورة الإسراع ببناء المساكن لإيواء أكثر من ألف ومائتي أسرة شردتها الحرائق، ولم يمض أسبوع واحد حتى تم الانتهاء من بناء المجموعة الأولى من المساكن وإسكان العائلات فيها، وأشاد الناس بجودة المنازل الجديدة وقالوا إنها أفضل من مساكنهم المحترقة.

روسيا اعتادت في تاريخها على الكوارث والحروب العظمى، لكنها أبدا لا تخضع ولا تنهار، بل حتى لا تطلب المساعدة من أحد، لينطبق عليها المقولة التاريخية التي كان الشعب الروسي يرددها في المحن والتي تقول «روسيا تتألم ولكن لا تبكي».

كاتب روسي

Luon1935@kin.ru