ترى السياسة السورية أن المحكمة الدولية المكلفة بالتحقيق في اغتيال رئيس الوزراء اللبناني الأسبق رفيق الحريري، أصبحت مسيّسة كلياً، ولا تصلح للوصول إلى الحقيقة، لأنها غدت وسيلة بيد قوى معادية للبنان والعرب.
وتذكّر هذه السياسة بأنها اتهمت المحكمة بالتسييس منذ تشكيلها ومنذ أن خطت خطواتها الأولى قبل ما يقارب الخمس سنوات، وتعتقد أن القرار الظني الذي سيصدر عن قاضي التحقيق لدى المحكمة خلال شهر أو شهرين، سيكون وبالاً على لبنان، لأنه سيلقي التهم جزافاً على أناس قريبين من حزب الله ومن المقاومة، ما يهيئ المناخ لفتنة طائفية لا يعلم أحد أبعادها، ستطيح بالاستقرار اللبناني والسلم الأهلي اللبناني الذي بدأ يتحقق في الأشهر الأخيرة.
تتطابق هذه النظرة السورية مع موقف حزب الله من المحكمة الذي أعلنه حسن نصر الله أكثر من مرة خلال الأسابيع والأيام الماضية، ومازال يزيد معلومات جديدة على إعلانه هذا مع كل تصريح، وملخص رأي الأمين العام لحزب الله أن القرار الظني الذي سيصدر عن المحكمة سيتهم بعض المنتسبين لحزب الله، حسبما أبلغه سعد الحريري بذلك، حيث وصف هؤلاء بغير المنضبطين، وقال إن مثل هذا الاتهام سيكون موجهاً لحزب الله بالكامل (سواء كان المتهمون منضبطين أم غير منضبطين).
وبالتالي سيقع وزر اغتيال الحريري على عاتق الحزب، ما سيهيئ المناخ لفتنة في لبنان، وحتى تجري المحاكمة، وتصدر المحكمة أحكامها، ويتبين المجرم الحقيقي وهذا يحتاج لعدة سنوات، تكون الاضطرابات قد بلغت حدودها القصوى وربما تصل إلى حرب طائفية تسعى إليها إسرائيل والولايات المتحدة وغيرهما.
وعلى ذلك أكد حسن نصر الله بأنه لن يسمح لأحد بأن يمس المقاومة أو الحزب، واتهم المحكمة بأنها مسيسة، واستشهد بأنها لم تحاكم شهود الزور، فضلاً عن أنها سجنت الضباط الأربعة الكبار من دون حق، وفي الخلاصة طالب بتشكيل لجنة نيابية لبنانية تنظر في بعض الأمور الخاصة بالمحكمة، ولعل ذلك يكون تمهيداً للمطالبة بتجميدها أو إلغائها والعهدة بمهماتها إلى محكمة أو محاكم لبنانية.
أما تيار المستقبل الذي يرأسه سعد الحريري رئيس الوزراء، فيرى أن لا مبرر لمثل هذه الانفعالات والمبالغات والأوهام، وأن المنطق وحسن التدبير يقتضيان انتظار صدور القرار الظني ثم البناء عليه بعد ذلك، فإن كان هشاً ومعتمداً على تهم ضعيفة أو افتراضات، أو كان متحاملاً، يمكن عندها النظر في البدائل، لكن أن تتخذ المواقف.
وتتنامى التهديدات قبل صدور القرار، فإن ذلك استباق للأمور لا مبرر له، ومحاولة لوأد المحكمة قبل أن تبدأ أعمالها، ثم إن الاضطرابات الطائفية تحتاج لأسباب هي في حقيقتها أكثر تعقيداً مما يشير إليه الأمين العام لحزب الله وأن توفرها ليس بهذه السهولة أو (الخفة)، وأن تصريحاته مبالغات لا تتناسب مع الأسباب المفترضة، وأخيراً يرى تيار المستقبل أن لابد من استمرار المحكمة في وجودها وعملها حتى تتضح الحقيقة، التي رهن لبنان نفسه خمس سنوات للوصول إليها.
لعل مسألة المحكمة وقرار قاضي التحقيق الظني كانت هي الموضوع الرئيس (وربما الوحيد) لمحادثات الملك عبد الله بن عبد العزيز في سوريا، لأن القضايا الإقليمية الأخرى هي دائماً محط تبادل الآراء بين البلدين بالطرق الدبلوماسية ولا تحتاج لمثل هذه الزيارة، ولذلك أخذت أهمية ثانوية قياساً لموضوع المحكمة.
لابد أن سوريا طرحت على طاولة المحادثات أمر تسييس المحكمة من جهة، ومخاطر الاتهامات التي سيطلقها القرار الظني عند إعلانه على استقرار لبنان وأمنه وسلمه الأهلي من جهة أخرى، وتفادياً لهذا كله، فمن المفضل، بل ربما من الضروري حسب الرأي السوري تجميد المحكمة أو إيقاف عملها، وإيجاد بديل آخر عنها لبناني أو عربي، يوصل إلى الحقيقة من دون دسائس ولا تسييس. أو على الأقل تأجيل إعلان القرار الظني لإشعار آخر.
لم يتطابق رأي السياسة السعودية مع رأي السياسة السورية تجاه المحكمة، لأنها ترى أن أي تجميد لأعمالها أو تكليف غيرها بمهماتها أو تبني بديل آخر عنها، ربما لن يوصل إلى الحقيقة أو يرجئ الوصول إليها سنوات عدة.
لكنها ترى من جهة أخرى أن إيجاد شروط أو ظروف جديدة في لبنان، مثل إعادة النظر بدور حزب الله اللبناني، والوصول إلى صيغة جديدة للتنسيق بين قواته المسلحة وبين الجيش، ووضع قدراته العسكرية تحت إشراف الجيش اللبناني، كفيلة بتحقيق هذه الشروط، وعندها يصبح البحث ممكناً عن سبل جديدة للوصول إلى الحقيقة في اغتيال الحريري وكشف الجناة دون توترات أو مخاوف، واسترجاع الدولة اللبنانية دورها وسلطتها، والحفاظ على استقرار لبنان.
فضلاً عن أن هذا يؤدي بالضرورة إلى تراجع الدور الإيراني الحالي في لبنان، ولا بأس عندها أن يكون هذا الدور مميزاً ولكن ليس (طاغياً).
ترى سوريا أن حزب الله يحمي خاصرتها، كما أن الدور السوري في لبنان لن يكون بمثل قوته وقدرته الحالية لو ضعف حزب الله أو تخلى عن سلاحه، ولذلك ترفض أية تهمة للحزب أو لبعض عناصره أو حتى شبهة تهمة، لأن ذلك سيؤكد نظرية من يقول إن سلاح الحزب موجه للداخل أيضاً.
وهكذا لم يتوصل الطرفان السعودي والسوري إلى موقف موحد أو شبه موحد تجاه المحكمة لاستمرارها أو تجميدها أو تعديلها، لكنهما اتفقا على ضرورة التهدئة في لبنان، وأن لا يفسد تباين المواقف من المحكمة التنسيق بين الطرفين.
وقد تم نقل هذا الاتفاق إلى الأطراف اللبنانية، وهكذا كانت زيارة الملك والرئيس إلى لبنان رسالة واضحة للجميع. وفي الوقت نفسه ربما ستستمر المحادثات بين البلدين بالطرق الدبلوماسية، بهدف الوصول إلى اتفاق حول النقاط المختلف عليها.
كاتب سوري