من الملاحظ أنه لم يسكن البيت الأبيض رئيس أميركي لم يخض حروبا، ولو استعرضنا في عجالة ما بعد الحرب العالمية الثانية التي خاضها روزفلت وأكملها ترومان الذي شن الحرب على كوريا العام 1950، نجد بعده أيزنهاور الذي قصف غواتيمالا العام 1954 واحتل لبنان العام 1958 لدعم الرئيس كميل شمعون، حتى كنيدي الذي اغتيل بسبب رفضه الحرب في فيتنام، هاجم كوبا في إبريل 1961، أما جونسون فقد حارب في فيتنام ولاوس من 1964 حتى 1966.
وجاء بعده نيكسون ليحارب في كمبوديا العام 1970 ويتدخل عسكرياً في تشيلي العام 1973، ثم جاء رجل السلام كارتر ليشن الهجوم العسكري على غويانا في أميركا الجنوبية في ما سمي بعملية «معبد الشمس».
والتي قتل فيها نحو ألف شخص، كما حرك كارتر الأساطيل الأميركية في الخليج العربي لمحاصرة إيران، ثم جاء بعده صقر صقور أميركا وبطل حرب النجوم رونالد ريغان الذي وجه الأساطيل البحرية والجوية نحو لبنان، غرينادا، ليبيا، بنما، والهندوراس.
وجاء بعده بوش الأب ليغزو بنما ويعتقل حاكمها نوريغا، ثم يشن حرب تحرير الكويت العام 1991 ويواصل هجماته على العراق حتى نهاية ولايته، ويأتي كلينتون ليقصف العراق العام 1996 ويقود أول حرب يخوضها حلف الناتو في القارة الأوروبية في البلقان العام 1999، وأخيراً بوش الابن وحروبه في أفغانستان والعراق.
ونلاحظ في هذا السرد التاريخي السريع أن هناك استثناء وحيداً وغريباً في الوقت نفسه، وهو الرئيس الجمهوري جيرالد فورد الذي تولى الرئاسة العام 1974 حتى 1977، والغريب هنا أن فورد هو الوحيد الذي تولى الرئاسة دون ترشيح أو انتخابات، فقد كان نائبا للرئيس نيكسون وأكمل فترته بعد استقالة الأخير بسبب فضيحة وترغيت.
فورد هو الوحيد من الرؤساء الذي لم يتعرض للضغوط والمساومات من جماعات الضغط التي تتحكم في ترشيحات وانتخابات الرئاسة، وتمول حملات المرشحين من الحزبين، وبعد ثلاث سنوات في الحكم دون ضغوط كان من الصعب على جماعات الضغط واللوبيات العملاقة أن تتعامل مع فورد، ولهذا لم يستطع الصمود في انتخابات الرئاسة أمام مرشح كان يعتبره الجميع ضعيفاً، وهو جيمي كارتر الفلاح الطيب المسالم، والذي لم يستطع تفادي خوض الحروب.
من أبرز وأقوى جماعات الضغط في الولايات المتحدة المجمع الصناعي الحربي، الذي يعتمد في الأساس على الحروب للترويج لإنتاجه، هذا المجمع الذي سبق أن حذر الرئيس أيزنهاور من نفوذه العام 1961، والذي يتهمه الكثيرون بأنه يصنع الأعداء الذين يجب على أميركا محاربتهم.
والولايات المتحدة لا تخوض الحروب فقط، بل أيضاً تصنعها للآخرين ليشتروا السلاح الأميركي، وهذا يعني أن الحرب لدى مراكز التحكم في صنع القرار الأميركي، هي الهدف الذي يجب أن تكرس من أجله كل الوسائل، حتى لو كانت الوسيلة ضرب الولايات المتحدة نفسها أو تدمير أبراجها الشامخة والحط من هيبتها، حيث أن مصالح جماعات الضغط أعلى بكثير من مصالح الدولة الأمريكية.
الرئيس الأميركي باراك أوباما، داعية السلام والحوار وتحسين سمعة أميركا التي لوثها بوش، ليس استثناء من هذه القاعدة، ومن المؤكد أنه لكي يصبح رئيسا فقد استوعب هذا الأمر ووافق عليه منذ البداية، فهو لم يتوقف أثناء حملته الانتخابية عن التصريح بأن أفغانستان هي بؤرة الإرهاب التي يجب أن تتوجه إليها القوات الأميركية.
ولم يتردد وهو يناضل مع إدارته في مواجهة الأزمة المالية، في أن يطلب من الكونغرس تخصيص مئات المليارات لدعم الحرب في أفغانستان، هذا رغم الإجماع على فشل العمليات العسكرية في أفغانستان.
الحرب هي القدر الذي لا يستطيع أن يهرب منه الرئيس الأميركي، والهروب أو الرفض يعني التعرض لقدر آخر أكثر قسوة وبشاعة، ونموذج اغتيال كنيدي ما زال ماثلاً أمام كل رئيس يدخل البيت الأبيض.