خلال السنوات الثلاث الماضية، تعرض الأجانب في موريتانيا لحوادث قتل واختطاف متعددة، نفذها تنظيم القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي، كان آخرها اختطاف ثلاثة أسبان في نوفمبر الماضي.

وقد أصدرت محكمة موريتانية، قبل أسابيع قليلة، حكماً بإعدام ثلاثة موريتانيين بتهمة قتل أربعة سياح فرنسيين منذ ثلاثة أعوام. وما زال الأجانب وفي مقدمتهم الفرنسيون مستهدفين في موريتانا، وهو ما يؤثر سلبا على السياحة هناك، خاصة رحلات السفاري.

وفضلا عن ذلك، فإن هذه الحوادث المتكررة تطرح تساؤلات حول نجاح حكومة الرئيس محمد ولد عبدالعزيز في مواجهة الإرهاب، خاصة وأنه حظي بدعم فرنسي قوي بعد الانقلاب العسكري الذي قاده، فضلا عن أن الغرب تعامل معه بلطف، تصورا من قادة الدول الغربية المعنية بموريتانيا، أن الرئيس قائد الانقلاب الذي انقلب على الديمقراطية وعطل مسيرتها، ستكون مواجهته لخطر تنظيم القاعدة المسؤول عن العمليات ضد الأجانب، أشد قوة وفاعلية من الرئيس السابق الذي اتهم من قبل جهات متعددة بأنه لا يواجه الإرهاب مواجهة قوية.

وهذه الحوادث المتكررة، تؤكد أن تنظيم القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي، ما زال لديه قدر ما من القوة في منطقة المغرب العربي والساحل الإفريقي، حيث أصبحت مواجهته من الصعوبة بمكان بسبب الطبيعة الجغرافية والمناخية للمنطقة، مع العلم أن دولا كبرى دخلت في الواجهة لمساعدة الدول التي تعاني من خطر القاعدة في المنطقة.

وقد أكدت فرنسا مؤخرا، أنها اشتركت مع القوات الموريتانية في غارة شنتها على «مسلحين يشتبه في انتمائهم للقاعدة» في جمهورية مالي المجاورة لموريتانيا، عبر توفير «الدعم التقني والإمدادات» في الغارة التي قتل فيها عدد من المشتبه فيهم. وقالت وزارة الدفاع الفرنسية إن الجماعة التي تمت مهاجمتها، رفضت التفاوض بشأن رهينة فرنسي اختطف في المنطقة في إبريل الماضي.

وقال رئيس الوزراء الفرنسي فرنسوا فيون إن بلاده في حالة حرب ضد جناح تنظيم القاعدة في شمال إفريقيا، وإنها ستكثف الدعم العسكري لحكومات في المنطقة تحاربه. بينما قال الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي إنه لم يؤيد قرار شن غارة في مالي من قبل القوات الموريتانية، إلا بعد الفشل في إقامة أي قناة للتفاوض مع الخاطفين.

ويبدو من تطورات الأوضاع في منطقة شمال إفريقيا والساحل الإفريقي، أنه رغم التنسيق الأمني بين دول المنطقة عبر أكثر من تجمع إقليمي، ورغم المناورات المشتركة بين قوات أمن هذه الدول لمواجهة تنظيم القاعدة، فإن التنظيم ما زال يمارس عملياته مع التركيز على مناطق أخرى غير الجزائر والمغرب اللتين شهدتا أقوى عملياته في السابق، وأصبحت هذه العمليات تستهدف كلا من مالي والنيجر وموريتانيا، معتبرة أنها الحلقة الأضعف في المنظومة الأمنية الجماعية في منطقة الساحل الصحراوي، خاصة وأن كافة المؤشرات تؤكد أن الجزائر قطعت شوطا كبيرا وناجحا على صعيد مواجهة التنظيم في أراضيها.

ولا شك أن الطبيعة الجغرافية لهذه الدول والتواصل الجغرافي والثقافي والعرقي وهيدروليكا المنطقة، تساعد التنظيم على ذلك، مما يعني تواصل المواجهة وتدخل دول عظمى فيها مثل فرنسا، وبمساعدة الولايات المتحدة لهذه الدول بالعتاد والمركبات العسكرية الخاصة بالحرب في الصحراء.

وعمليات استهداف الأجانب في موريتانا وفي الدول التي يعمل فيها تنظيم القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي، لها عدة أهداف، في مقدمتها أنها لعبت دورا في توفير تمويل للتنظيم، عبر الفدية التي يتم دفعها من أجل الإفراج عن الرهائن، كما حدث أكثر من مرة في الأعوام الماضية، وإن كانت الدول الغربية التي تدفع الفدية لا تعلن عن ذلك، حتى لا تشجع جماعات أخرى على خطف مواطنيها.

وثاني الأهداف هو أن القاعدة تريد عبر هذه العمليات، التأثير على اقتصاد الدول التي تتم فيها العمليات وتشويه صورتها الدولية، خاصة وأنها تختار توقيتات تسبق بدء سباق الرالي الدولي الذي يمر عبرها كل عام، والذي يعد مصدرا من مصادر دخلها السياحي، وتريد القاعدة أن تؤكد للدول الغربية التي تجمعها مصالح في هذه الدول، أن الأنظمة التي تحكمها هشة لا يمكن الاعتماد عليها. ولكن عمليات «القاعدة» أدت إلى نتائج عكسية، حيث زاد دعم الدول الغربية لأنظمة هذه الدول بالذات، من أجل مواجهة تنظيم القاعدة.

وآخر الأمور أن القاعدة تستهدف في عمليات احتجازها للرهائن، مواطني دول محددة تعتبر أنها عدوة لها، وعلى رأس هذه الدول فرنسا وألمانيا. ويعتقد التنظيم أن عملياته تؤثر على شعبية حكومات هذه الدول التي يعتبرها معادية للإسلام والمسلمين.

ولكن تأتي تطورات ما بعد عمليات الاختطاف، لتؤكد أن تصورات التنظيم كانت في مجملها خاطئة.

كاتب مصري

ksrgany@hotmail.com