الاحتواء سياسة تمارسها الولايات المتحدة وحلفاؤها الغربيون منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، وبالضبط منذ بعث جورج كينان الدبلوماسي الأمريكي في موسكو ببرقية تقع في تسع عشرة صفحة، أطول برقية في التاريخ، إلى جورج مارشال وزير الخارجية الأمريكي آنذاك في شهر فبراير من عام 1946.

احتوت تلك البرقية على تفاصيل خطة إستراتيجية يقترحها كينان لمواجهة الاتحاد السوفيتي واحتوائه، والتي حازت على إعجاب الرئيس الأمريكي آنذاك هاري ترومان حين اطلع عليها، وبدأ باعتمادها في وضع الخطوط العامة لإستراتيجية الحرب الباردة.

خلاصة فكرة الاحتواء الذي اقترحه كينان، هي أن يُمنع الاتحاد السوفييتي من توسيع الرقعة التي يهيمن عليها جغرافياً وأيديولوجياً أولاً، ويفرض عليه حصار سياسي ودبلوماسي واقتصادي يضعف من قبضته على هذه الرقعة ثانياً.

حديثنا عن الاحتواء له صلة بالسياسة الأمريكية في الشرق الأوسط، فالولايات المتحدة تضع الملف الإيراني على رأس أولوياتها في هذه المنطقة، وهي تنظر إلى احتواء إيران على أنه السبيل الوحيد لاستقرار المنطقة، على الأمدين القريب والبعيد. وذلك لأنها ترى أن إيران تكمن وراء عمليات العنف وزعزعة الاستقرار في العراق وأفغانستان ولبنان وغزة. فالخبراء الإستراتيجيون في الغرب قد أشبعوا هذا الملف تقليباً، فقد درسوا خيارات: العقوبات، العزل والتحجيم عن طريق الاحتواء، دعم المعارضة في الداخل والخارج لإسقاط النظام، توجيه الضربات العسكرية للمواقع النووية. على المستوى السياسي، لم تجد الولايات المتحدة صعوبات كبيرة في تحشيد الدعم السياسي لأجندتها لعزل إيران إقليمياً، سيما أن طهران منذ زمن الشاه السابق قد رسمت لنفسها سياسات أقل ما تتسم به، هو عدم قدرتها على أن تكون في تصالح مع جاراتها.

ولكن احتواء إيران ليس بالأمر السهل كما كان الحال مع العراق، إذ أن دولا عديدة لها مصالح كثيرة متشابكة معها، بهذا القدر أو ذاك، خاصة ما يتعلق منها بمشاريع الطاقة، حيث إن إيران من أهم مصدري النفط والغاز في العالم.

فقد وجدت الولايات المتحدة أن سقوف العقوبات التي تستطيع التوصل إلى تحقيقها عن طريق مجلس الأمن الدولي، لا تشكل في الحقيقة جدراناً متينة للاحتواء، سيما أنها لم تنل من قطاعي النفط والغاز بسبب موقف كل من الصين وروسيا، فالأولى في أمس الحاجة إلى استمرار تدفق النفط إلى جوف مصانعها، للحفاظ على معدلات نموها الاقتصادي المتميز، والثانية ترى أن الإمعان في إغضاب طهران يحرمها بعض القدرات التي تحتاجها للمناورة في منطقة الشرق الأوسط.

الاحتواء يتضمن محورين: سياسي واقتصادي، وقد تنامت في الفترة الأخيرة قدرات هذا الاحتواء، برفع سقف العقوبات على إيران في جولة رابعة فرضها مجلس الأمن الدولي، تبعتها عقوبات أخرى فرضت من جانب واحد اتخذتها الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي واليابان وأستراليا. وقد اعترفت طهران للمرة الأولى بأن العقوبات قد بدأت تترك تأثيراتها على الاقتصاد الإيراني، واعترفت كذلك بأن هذه العقوبات ستؤخر برنامجها النووي، إلا أنها لن تكون قادرة على إيقافه.

الجدار الإيراني لا يشكو من قلة الثغرات الغائرة فيه، فهو ليس بالحصانة التي يتصورها من يتحصنون خلفه، فالمؤسسة الدينية الحاكمة في طهران بدأت تواجه تصاعداً في المعارضة، ليست السياسية فحسب، وإنما معارضة من قبل قوى قومية في المناطق الكردية والبلوشية والآذارية، تطالب بحقوقها القومية.

الاحتواء بأبعاده الجديدة سيحجّم بكل تأكيد قدرات إيران الاقتصادية، وسينعكس ذلك على مستوى معيشة الفرد، وإذا كان عدد من يقبع تحت خط الفقر فيها يبلغ ثلث السكان حالياً، كما يتردد في وسائل الإعلام، فإن هذا الرقم قد يقفز إلى النصف، وربما يتجاوز ذلك في غضون فترة قصيرة.

ولكن من المحتمل جداً أن لا يؤثر ذلك على سياسية الحكومة الإيرانية، فإدارة الرئيس الإيراني أحمدي نجاد برهنت حتى الآن، على أنها لا تسمح بالمساس ببعض الثوابت التي خططت لها ووضعتها موضع التنفيذ، ومنها البرنامج النووي الذي لم تجرؤ المعارضة نفسها داخل إيران على استخدام تداعياته للنيل من حكومة نجاد.

فقد استطاعت إيران وهي تحت تأثير ثلاث جولات من العقوبات، أن تنتج خمسة كيلوغرامات من اليورانيوم المخصب بدرجة 20 شهرياً، كما أعلنت عن ذلك مؤخراً.

ورغم نجاح الولايات المتحدة في حشر طهران في ركن ضيق، فليس هناك من ضمان بنجاحها وحلفائها في تحقيق أهدافها، فلو فشلت العقوبات في إرغام إيران على التخلي عن برنامجها النووي، هل ستستمر في احتواء إيران النووية أم لا؟

جاءت الإجابة عن هذا التساؤل حين أعلن رئيس هيئة أركان الجيوش الأمريكية الأدميرال مايك مولن، في الأول من أغسطس الجاري، أن الخطة العسكرية لمهاجمة إيران قد أصبحت جاهزة للتنفيذ في حالة حصول إيران على السلاح النووي. وهذه الخطة هي النسخة المطورة للخطة التي وضعت عام 2007، والتي نشر في حينه أنها تشمل ضرب 1200 هدف داخل إيران وفي مياهها الإقليمية. ولم يخف مولن بعض القلق الذي يساوره من أن هناك بعض ما لا يمكن التنبؤ به قد يحصل جراء ذلك.

الإعلان عن اكتمال خطة ضرب إيران يحمل وجهين، فهو يرفع من درجة الضغوطات المسلطة على طهران من جهة، ويهيئ الأجواء لمرحلة صدام عسكري كبير لا مفر من وقوعه قريباً، من جهة أخرى.

ثمة أكثر من سبب يجعل الولايات المتحدة تتردد في الأخذ بخيار القوة العسكرية، فهي لا تزال أمام التزامات عسكرية في العراق، وقد أدخلت نفسها في ورطة حقيقية في أفغانستان، كما أن الأزمة المالية ما زالت تعض بأنيابها على الاقتصاد العالمي والأمريكي بشكل خاص.

هذه الإعاقات ترجح لدى طهران، أن الغرب سيلجأ في النهاية إلى خيار الأخذ بإستراتيجية جديدة في الشرق الأوسط، على أساس وجود قوتين نوويتين: إسرائيل وإيران، مستبعداً باكستان لدورها المتواضع في رسم مقدرات المنطقة.

إلا أن صناع القرار في الغرب يرون أن الخسائر المترتبة على الأخذ بخيار العمل العسكري، أقل من الخسائر التي تترتب على حيازة طهران للسلاح النووي، فخيارهم هو منع إيران من أن تصبح دولة نووية، وليس احتواء إيران النووية.

كاتب عراقي

majamal@emirates.net.ae