موجزُ الخبر أنّ رئيس الجالية اليهودية الليبية في بريطانيا، رفائيل لوزون، زار ليبيا الأسبوع الماضي، لأوّل مرّة بعد خروجِه منها في 1967، ووصف شعورَه في «وطنِه الأصلي»، كما سمّاه، بأنّه حلم. وقال إن اليهود الليبيين في فلسطين (بتعبيره) وأوروبا وأميركا، وعددهم 110 آلاف، يعشقون ليبيا، ويتمنون العودة إليها.
يتجولُ الرجل في سوقٍ قديمٍ في طرابلس، وتُطيّر وكالة الأنباء الفرنسية صورتَه هناك، فنتذكر أنّه أشهَرَ رغبتَه في العودة إلى وطنه، في ندوةٍ في تلفزيون «بي بي سي» العربي، عقب عرضِ فيلمٍ عن يهود لبنان.
ويأتي إلى البال أنّ سيف الإسلام القذافي، أعلن قبل عامين استعدادَ ليبيا لبحثِ عودةِ يهودِها الذين غادروها واستعادتهم جنسيتها، ولم يتم شيءٌ من هذا، وبدا أنّ الإعلان جاءَ درءاً لطلب إسرائيل من ليبيا مليار دولار، تعويضاً عن ممتلكات اليهود الليبيين «اللاجئين» التي أممت في 1969.
يحضرُ إلى الخاطر حديثُ لوزون في زيارته، وأشواقُ يهود لبنان، في شتاتِهم وفي إسرائيل، إلى وطنهم، كما أبانها الفيلم، فيطِنُّ سؤالٌ عن الممكنِ لتحقيقِ دعوة الصحافية الأميركية العربية الأصل، هيلين توماس، إلى عودة اليهود في إسرائيل إلى البلادِ التي قدموا منها، في دردشتها مع حاخامٍ، أشاعَ لاحقاً قولَها ذاك له... تُرى، لماذا لا يصيرُ هذا واقعياً، أقلهُ بشأن اليهود العرب في فلسطين، فيعودوا إلى أوطانِهم الأصلية، فيستعيدوا جنسياتها، ويشْلحُ بعضُهم ولاءَهم لإسرائيل؟
السؤال حالِمٌ، وغيرُ واقعيٍّ ربّما، لكنّ رجل الأعمال الفلسطيني طلال أبو غزالة، لمّا سبقَ هيلين توماس في طرحِه الفكرة نفسَها بأسابيع، اقترحَ صيغةً عمليّة، تقومُ على إنشاءِ صندوقٍ لتمويلِ عودة «اللاجئين اليهود»، بحسبِ تسميتِه لهم، إلى «أماكنهم وبلادِهم الأصليّة» ضمن حملةٍ دوليّة.
ودعا إلى التداولِ في شأن مبادرتِه هذه، باعتبارها «الحل الوحيد الذي يستندُ إلى قوانينِ الأمم المتحدة وحقوق الإنسان والأديان والأخلاق والمبادئ». وأن يتحاوَرَ بشأنها مفكرون وباحثون عرب، ويتدشّن نقاشٌ واسعٌ بشأنها، لا سيما وأنها تهدفُ إلى فضح «حق العودة» الذي استُخدِمَ يوماً للضغط على اليهود، وإجبارِهم على الرحيل عن أوطانهم.
بعيداً عن اختلاف كاتب هذه السطور مع أبو غزالة في توصيفهِ يهودَ إسرائيل لاجئين، فإن الفكرة التي يقترحُها، وتلتقي مع ما قالته هيلين توماس بعدَه، تُيسّر فرصةً ثمينةً لإحداثِ نقاشٍ كاشِفٍ، قد يُحقّق تأثيرَه في الإعلام العالمي، إذا تولى إثارتَه أهلُ الخبرة والكفاءة والحسّ الثقافي العالي والمسؤول.
ويصيرُ للنقاش المُشتهى جدواه، إذا راحَ أولاً إلى إمكانِ اتخاذ حكوماتٍ عربيّةٍ يتنسبُ إلى بلدانِها يهودٌ في إسرائيل، خطوةً شجاعة، حين تدعوهُم إلى العودة واستعادة مواطنتهم. وإذا صدَرَ عن كون الصهيونيّة هي الحركة التي انتزعت وطنيّة عديدين من هؤلاء، وعملت على هجرتهم إلى فلسطين التي لم يلحّ الصهاينة الأوائل على أنها «الوطن القومي» لليهود، وتداولوا مناطقَ في العالم غيرَها.
وفي كتابِه «الدولة اليهودية»، دعا هيرتزل إلى إقامة الدولة في أيّ مكان، وتحمّس للأرجنتين، لأنها «واسعةٌ وثرواتُها شاسعة»، وحاولَ الحصولَ على موزمبيق والكونغو، وحاورَ الإنجليز بشأن أوغندا ورفضوا، ثم اقترحوها عليه قبل وفاتِه بعام، فتبنّاها «دولة مؤقتة» (!) في المؤتمر الصهيوني السادس.
تُخلخلُ هذه الإحالة إلى تلك التفاصيل البعيدة، القناعةَ المتوطنّة في العالم عن حقّ اليهود بوطنٍ في فلسطين. لم يُصدّق الليبي رفائيل لوزون تلك الأزعومة، لكنه كما مئاتُ الآلاف من اليهود العرب، لم يكن في وُسْعِهِ البقاء في وطنه، خصوصاً بعد 1967، حيثُ الأجواء المشحونة المعلومة.
غادر كثيرون إلى فلسطين باعتبارها إسرائيل... تُرى، هل من يحاولُ استعادتَهم كعربٍ غيرِ صهاينةٍ معادين؟ قال بذلك طلال أبو غزالة، ثم هيلين توماس، وتالياً ألمح إليه رفائيل لوزون في سوقٍ في طرابلس.