هل نحن مسيرون أم مخيرون؟ سؤال أزلي طرح نفسه على الإنسان.. أو طرحه الإنسان على نفسه منذ بدايات الوعي الأول، وعي الإنسان بذاته وحاضره ومصيره الذي يسير نحوه، ولكنه لا يعرف إن كان يسير إليه بإرادته أو بإرادة أخرى.
كثيرًا ما نسمع هذا السؤال في برامج الفتاوى، أو ما شابهها من برامج أو حلقات دينية، وعادة ما يكون الجواب هو أن الإنسان مسير ومخير في آن، فهو مخير لأن الله أعطاه عقلا ليفكر ويقرر، ولكنه في الوقت نفسه يسير نحو قضاء مرسوم له منذ أن بدأ الكون، فهو باختياراته هذه يسير نحو ما هو مسيَّر له أساسا، قضاء وقدرًا.
ولا أريد الدخول في هذا الجانب، فليس لي علم العلماء الذين يجيبون عن أسئلة طالبي العلم الديني، بل إنني في سطوري هذه لا أنظر إلى الأمر من زاويته الدينية، بل أنظر إليه من الزاوية النفسية الوجدانية، من حيث إحساس الإنسان بأنه يسير في اتجاه اختاره وقرر المضيّ فيه، أو أنه يسير فيه لأنه يجب عليه السير فيه دون اختيار أو قرار ذاتي منه، بل من غيره، ولا أقصد بأي حال من الأحوال القدر أو المشيئة الإلهية.
يحدث عادة أن نلقي باللوم على القدر، ونزعم أنه سبب لما نحن فيه من أحوال تسوؤنا، مع أننا لا نبذل أحيانًا أي مجهود كي نكون في حال أحسن، ونترك أمورنا لآخرين يسيرونها كيفما شاؤوا، معتقدين أن هذا هو الإيمان بالقضاء والقدر!!.. حين أتأمل مثل هذه الحال، أفكر في طبيعة النفس الإنسانية التي لا تخجل من أن تترك أمرها ليُسيَّر بيد غيرها، ثم تزعم أنه القدر، وأنها مسيّرة لا مخيرة، مع أنها لو بذلت جهدًا لتمكنت من أن تكون ذاتَ قرارٍ في ما يختص بأمرها.
أو ربما لو امتلكت الإرادة والقدرة لتقوم بذلك لما منعها مانع، لكنها تفضل أن يقوم به غيرها كي تجد لنفسها ألف مبرر ومبرر ـ أمام نفسها وليس أمام أي أحد غيرها ـ كي تبعد اللوم عنها في أي حال تستدعي ذلك.
والذي أعرفه أن الإيمان بالقضاء والقدر، هو التسليم لمشيئة الخالق والامتثال لما يُفرض علينا فرضًا، دون أن يكون لنا حول ولا قوة ذاتيان لرده أو لتغييره، أما في ما يتعلق بأمورنا الخاصة التي نملك أن نقرر فيها، وقد أعطانا الله العقل كي نفكر ونقرر ما يناسبنا بإزائها، فإن من الواجب علينا أن نجتهد في مثل تلك الأمور، وأن نمنحها الوقت المناسب لنفكر فيها، ونتركها بعد ذلك لقضاء الله ليأخذنا إلى حيث قضى وقدّر جل وعلا.
وليس من المقبول أبدًا أن نترك كل شيء يسير «بالبركة» بحسب تعبير البعض، أو «على التساهيل» بحسب تعبير البعض الآخر، دون أن نكلف أنفسنا عناء التفكير والتقرير والاجتهاد ـ حتى إن كان اجتهادًا خاطئًا ـ بحجة أن الأمور كلها مقدرة، وأننا مهما فكرنا أو قررنا فلن نحيد قيد أنملة عن الخط المرسوم لنا منذ الأزل.
من حق عقولنا علينا أن نستخدمها ونفكر بها في أصغر شؤوننا وأكبرها، ومن حق مستقبلنا علينا أيضا أن نفكر ونخطط له، وأن نعيش حالات الأمل والترقب والرجاء، حتى إن مُنينا بخيبات الأمل، أو اقتربنا من تخوم اليأس، حتى إن فقدت بعض الأشياء لذتها ومتعتها في عيوننا، لأننا لم نوفق في الوصول إلى ما كنا نريده ونتمناه، لأننا..
ومع كل ما قد يمسنا من خيبة ويأس، لن نفقد بريق حياتنا، ولن نُحرَم مذاقها الذي سيشعرنا أننا أحياء، أما إذا تركنا أنفسنا فريسة لفكرة أن التسليم لما يقدره الله، يعني التخاذل والاتكال والاستسلام لأمواج الحياة تأخذنا حيث شاءت دون أدنى مشيئة منا، فإننا لا شك سنكون أمواتا حتى ونحن أحياء!
من الجدير بالذكر أنني أكتب هذه السطور ونصب عيني أشخاص محددون، أراهم أمامي وأكتب وكأني أخاطبهم.. مثل هؤلاء الأشخاص يدفعونني دائما للتفكير في حياتهم، هل عاشوها حقيقة، أو أنهم عاشوا على هامشها فقط، وهم يرددون طوال الوقت: كل شيء مقدر، وكأنهم هم الوحيدون المؤمنون بالقضاء والقدر.
وكأن غيرهم لا يؤمن بهذا القدر، في حين أن إيمانهم به يشوبه شيء من جهل بحقيقته ـ بحسب رأيي المتواضع ـ ويبدو لي أن به شيئا من الاستسلام لفكرة جعلوها خاوية من جوهر معناها وقيمتها، مع أنهم يريدون في قرارة أنفسهم التسليم لله وقضائه وقدره، زيادةً في الإيمان ربما، أو تهربًا من أشياء أخرى.. ربما.
جامعة الإمارات
sunono@yahoo.com