صعود ناوتو كان رئيس الوزراء الياباني إلى السلطة، فيه دروس مهمة لنموذج النمو في آسيا، وخاصة الصين التي تتجه إلى التوسع الحضري بشكل متسارع.
فعل رئيس الوزراء «كان» ما لم يسبقه إليه أحد في السياسة اليابانية، فقد قاد التمرد الديمقراطي للمستهلك والمواطن الحضري، ضد البيروقراطية المتنفذة، المتحالفة مع النظام السياسي الريفي القديم، الذي كان يمثله الحزب الديمقراطي الليبرالي، الذي حكم اليابان لعقود طويلة.
ذلك التحالف الذي أفرز«المعجزة اليابانية» من قبل، وصل في النهاية إلى مرحلة تكبيل قوة البلاد وإغراقها في الركود، لأنه لم يتبع أو يلتزم بالشروط المحددة للرخاء التي أوجدها، ولم يستجب لمتطلبات عالم تغير بفعل العولمة.
في العام 1999، عندما فاز الحزب الديمقراطي الياباني بالأغلبية للمرة الأولى، في المجلس الأعلى للبرلمان الياباني (الدايت المكون من مجلسين)، دخلت في نقاش طويل مع «كان» في طوكيو.
في تلك الأيام، كان يكال له المديح ويوصف بأنه «توني بلير اليابان»، لاتباعه ما يعرف باسم «الطريق الثالث» في السياسة والاقتصاد (وهو نهج وسط بين الاشتراكية والليبرالية). ركب «كان» بساط العولمة، وسعى إلى إصلاح نظام البيروقراطية المفرطة في اليابان.
قال لي «كان» في ذلك الوقت: «إن ما تحتاجه اليابان هو حزب للمستهلكين ودافعي الضرائب، وليس حزبا تعتمد قوته على الدوائر الانتخابية في الريف، وشركات البناء والتعمير الكبرى، والذي يخضع في النهاية للبيروقراطية. إن السياسيين المنتخبين هم الذين يجب أن يحكموا وليس البيروقراطيين».
سألته عما إذا كان يتفق في الرأي مع تاييشي ساكايا، الذي كان يرأس وكالة اليابان للتخطيط الاقتصادي آنذاك. وكان ساكايا يرى أن الوقت قد حان لإنهاء نظام «الوصاية الإدارية»، الذي حول اليابان إلى عملاق اقتصادي، لأن هذا النظام، حسب رأيه، ليس مرنا بما فيه الكفاية للمنافسة في زمن اقتصاد العولمة.
لم يكتف «كان» بالموافقة على رأي ساكايا، بل إنه اتفق أيضا في الرأي مع أكبر ناقد أجنبي للأوضاع في اليابان. استطرد بشكل مثير للاهتمام قائلا: «لطالما وافق رأيي ما جاء في كتاب كارل فان وولفرين (لغز القوة اليابانية)، الذي انتقد سلطة الظل التي تمثلها البيروقراطية، والافتقار إلى مركز للمساءلة السياسية».
وأضاف أن «80% من السياسات في اليابان يضعها البيروقراطيون، بينما يشارك السياسيون في العشرين في المئة الباقية فقط. في نظامنا الحالي لا يملك الوزراء، ولا حتى رئيس الوزراء، سلطة اتخاذ القرار النهائي. هل يمكن أن تسمي هذه حكومة؟».
على العكس من اليابان تمتلك الصين مركزا سياسيا قويا، هو المكتب السياسي للحزب الشيوعي الصيني، الذي يدير البيروقراطية الصينية المؤلفة من الصفوة، من مجمعه المحظور الاقتراب منه في جونغ نانهاي.
ولكن هل مركز سياسي قوي وراءه حزب واحد في الصين لا يمكن مساءلته، أفضل حالا من بيروقراطية اليابان التي لا تطالها المساءلة أيضا؟ هل بإمكان النظام الصيني الحالي، الذي حول الصين بشكل كامل من اقتصاد ريفي إلى «مصنع العالم»، أن يتخطى جذور الماوية (نسبة إلى نظام الزعيم الصيني الأسبق ماو تسي تونغ).
ويستجيب للظروف الجديدة، والاستحقاقات الانتخابية التي يقوم بإفرازها؟ هل سيكون أكثر نجاحا من وزارة الصناعة والتجارة الدولية اليابانية؟ ما لم يغير الصينيون سياساتهم في اتجاه السماح بمزيد من الديمقراطية والميل نحو الاهتمام بالطبقة المتوسطة النامية في المناطق الحضرية، فإنهم يغامرون بأن يلقوا المصير نفسه الذي وصلت إليه اليابان: «الطريق المسدود».
مما لا شك فيه، أن نسبة السكان الريفيين في الصين لا تزال كبيرة للغاية، ولكن الصين تتوسع حضاريا بسرعة وعلى نطاق غير مسبوق. في عهد ماو، كان 20% فقط من السكان يعيشون في المدن، والآن وصلت النسبة إلى 40%، ومن المتوقع أن ترتفع إلى 80 أو 90% في العقود القليلة المقبلة.
سكان الصين يزيدون على المليار نسمة، ومساحة الأراضي الصالحة للزراعة لديهم أقل مما هي في الهند، كما أنهم يفتقرون إلى مصادر كافية للطاقة. وقد شرعت الصين في جهد كبير للغاية لتنظيم كثافتها السكانية العالية، بإنشاء مدن عملاقة تضم عشرات الملايين من السكان.
وقد أعد معهد ماكينزي العالمي تصورا لتلك المدن العملاقة، التي قال إن عددها قد يصل إلى 15 مدينة، وأن كلا منها قد يتألف من 25 مليون نسمة، بما في ذلك القطارات فائقة السرعة، والمطارات المصممة على أحدث الطرز، والمتنزهات الصناعية، والجامعات، وغابة من ناطحات السحاب.
يقول وزير خارجية سنغافورة جورج يو: «على الرغم من أن السياسة الصينية ستتغير بشكل جذري مع تحول البلاد إلى الطابع الحضري، فإن الجوهر الأساسي للصفوة البيروقراطية التي تمسك بزمام الدولة، ليس من المرجح أن يتغير».
نظرا لافتقارها إلى مركز سياسي يمكن مساءلته، لم تتمكن النخبة السياسية اليابانية من أن تمنع قوتها العملاقة من الدخول في حالة من الجمود، بينما تطور المجتمع الياباني والعالم كله من حولها.
هذا هو ما جعل التغيير صعبا للغاية، «حتى إذا أردنا التغيير، فأين الأداة التي تمكننا من ذلك؟»، سؤال طرحه «كان» منذ عقد من الزمان، قبل أن يتمكن الحزب الديمقراطي الياباني، في النهاية، من إزاحة الحزب الديمقراطي الليبرالي من السلطة في سبتمبر الماضي.
وللمرة الأولى منذ الحرب العالمية الثانية، تمتلك اليابان نظاما قويا يتبادل فيه حزبان رئيسيان السلطة. ويملك «كان» الآن أداة فعالة لمساءلة النخبة البيروقراطية، بما يمكن اليابان من تغيير مسارها.
السلطات الصينية ليس مرجحا أن تتمكن من اتباع نظام ديمقراطي برلماني على الطريقة الغربية، كوسيلة لتحقيق المزيد من المساءلة للمسؤولين الحكوميين. لكنها تحتاج إلى آليات فعالة لتلقي ردود الفعل على السياسات الحكومية، كي تتمكن من الوصول إلى صيغة معقولة لانتقال الصين من كونها «متجر العالم»، بحيث تصبح مجتمعا يحوي طبقة متوسطة حضرية كبيرة ومترابطة مع العالم.
محرر نشرة «نظرة عالمية شاملة» وزميل في معهد نيكولاس بيرغروين
opinion@albayan.ae