القمة الثلاثية السعودية ـ السورية ـ اللبنانية، التي انعقدت في بيروت الأسبوع الفائت، كانت استثنائية بأكثر من معيار. استثنائية لأنها الزيارة الأولى التي يزور فيها العاهل السعودي الملك عبد الله بيروت، بعدما زارها مرات في السابق يوم كان ولياً للعهد.

استثنائية لأنها أيضاً الزيارة الرسمية الأولى التي يقوم بها الرئيس السوري بشار الاسد إلى بيروت، منذ تولي الرئيس العماد ميشال سليمان السلطة قبل عامين، وبعد زيارات متوالية إلى دمشق قام بها الرئيسان سليمان وسعد الحريري.

استثنائية لأنها تمت بشكل مشترك بين العاهل السعودي والرئيس السوري للمرة الأولى في تاريخ لبنان، خصوصاً أن سوريا لا تبدي تقليديا ارتياحا لأية مشاركة عربية لها في رعاية مباشرة للوضع اللبناني، بحيث أكدت صلابة التوافق السعودي ـ السوري حول الملفات اللبنانية، الذي تجلى بداية في قمة الدوحة.

واستثنائية لأنها تحدثت في البيان الختامي إثر الزيارة، عن جملة من المواقف السعودية ـ السورية المشتركة، في طليعتها رفض الاحتكام إلى العنف، وتأكيد مرجعية الطائف ومرجعية الدوحة، ودعم حكومة الاتحاد الوطني في لبنان.

معروف أن الملف شبه الوحيد في القمة، كان ملف المحكمة الدولية لمحاكمة قتلة الرئيس رفيق الحريري، والسجال السياسي الذي اندلع في بيروت حول التسريبات الإسرائيلية باتهام «حزب الله» بالوقوف خلف هذا الاغتيال، وتوقع صدور القرار الظني للمحكمة في سبتمبر المقبل حاملا هذه التهمة.

فماذا جرى من تداولات حول الملف؟ وما هي احتمالات تكوين موقف سعودي ـ سوري من مسألة الاتهام الموجه إلى «حزب الله»؟ وكيف سيتم تدارك أي تدهور أمني في حال صدور الاتهام؟

المعلومات التي تجمعت في بيروت من مصادر موثوقة، تشير إلى المعطيات التالية:

أولاً؛ ما هو مؤكد بداية أن «حزب الله» لم يطلق المواجهة اليوم في وجه القرار الظني لينهيها غداً، بل إن المناخ السائد في أوساطه، فضلاً عن الاعلانات المتكررة للسيد حسن نصر الله، تشير إلى أن «حزب الله» لن يتوقف عن المنازلة ضد المحكمة الدولية، قبل أن يحقق ثمناً معنويا ما.

ثانياً؛ ما هو مؤكد بالمقدار نفسه، أن التوافق السوري ـ السعودي الذي يتعزز يوميا، سيحول دون أن تمضي الأمور نحو الاضطراب الأمني، بدليل أن لبنان شهد «قمة دوحة» على أراضيه، لتأكيد أن السلم الأهلي خط أحمر ليس مسموحا لأحد بتجاوزه.

وقد ذهبت اجتماعات رئيس الجمهورية ميشال سليمان مع أركان طاولة الحوار، في الاتجاه نفسه لجهة ضبط النقاش السياسي تحت سقف معين لا يضطرب معه الأمن، الأمر الذي لقي تجاوبا من جميع القيادات السياسية، وأخصها تيار «المستقبل» الذي قرن تأييده للمحكمة مع تأكيد رغبته في تعزيز العلاقة مع سوريا بقيادة رئيس الحكومة الشيخ سعد الحريري.

أين، إذن، ستستقر الأمور؟

في معلومات وتحليلات قوى حكومية وسياسية عديدة، أن «حزب الله» يتحرك ضمن حدين: حد أدنى وحد أقصى. في الحد الأدنى يطمح الحزب إلى:

ـ هز صدقية المحكمة، دوليا وإقليميا ولبنانيا، حتى تفقد الهالة المعنوية التي تحيط بها ويغدو التشكيك في أحكامها تشكيكاً مقبولا على المستوى السياسي والشعبي.

ـ دفع المحكمة نفسها إلى التوسع في تحقيقاتها ومراجعة استنتاجاتها، بما فيها مزيد من الفحص لاحتمال أن تكون إسرائيل ضالعة في عملية اغتيال الحريري، وهو الأمر الذي عاب السيد نصر الله على المحكمة عدم التدقيق فيه، أو الانصراف إلى دراسة احتماله دراسة متأنية.

ـ تأخير صدور القرار الظني، وإفساح المجال أمام مشاورات دولية مكثفة لدراسة انعكاساته على الوضع اللبناني، على قاعدة أن أطرافا لبنانية مؤثرة تشكك في أي قرار تصدره المحكمة، خصوصاً بعد اتهامها بأنها «إسرائيلية» وذات «أجندة» معادية ل«حزب الله» تريد الانتقام منه، بعد فشل عدوان تموز 2006 في تحقيق ذلك.

أما الحد الأقصى الذي ترجح هذه القوى أن «حزب الله» يتطلع إلى تحقيقه أو يقبل به، فيراوح بين:

ـ دفع الحكومة اللبنانية إلى سحب القضاة اللبنانيين المعينين في هيئة المحكمة، لإفقادها الشرعية اللبنانية، وتشكيكاً بالقرارات الصادرة عنها.

ـ دفع الحكومة اللبنانية لإيقاف مساهمة الدولة في تمويل أعمال المحكمة ونفقات اشتغالها للسنة المقبلة وما يليها.

ـ قيام ممثلي المعارضة بالاستقالة من الحكومة، تعبيراً عن رفضهم التغطية اللبنانية الرسمية للمحكمة، رغم أن «اتفاق الدوحة» ينص على الامتناع عن اللجوء إلى سلاح المقاطعة أو الاستقالة تعطيلا للعمل الحكومي.

ربما يكون تحقيق هذه الأهداف صعبا، نظراً لحاجة كل قرار حكومي إلى موافقة جميع الأطراف، الأمر الذي يصعب توقعه اليوم على الأقل.

لذلك، يعمل بعض الجهات على اقتراح مخرج عبر الرئيس الحريري، وهو «ولي الدم» كما دعاه السيد نصر الله، بإصدار تعليق على قرارات المحكمة، في حال اتهامها أفرادا من «حزب الله» بتدبير مؤامرة الاغتيال، يعلن فيه عدم اقتناعه بالأسباب والحيثيات، معتبرا إياها قرائن غير «صلبة» أو دامغة، الأمر الذي يشكل ترضية معنوية ل«حزب الله» وتبرئة له من قلب عائلة الشهيد رفيق الحريري.

ويتكامل هذا «المخرج» مع محاولات لتعزيز قنوات الحوار مع سوريا وافتتاحها مع إيران، في محاولة للضغط على «حزب الله»، لمنع أي تصعيد كلامي من أن يتحول إلى سخونة أمنية لن تفيد أيا من الأطراف الاقليمية أو المحلية.

أما على مستوى الداخل، فثمة جهد حثيث لإيقاف كل التعليقات حول القرار الظني للمحكمة، بداعي أنها ردود تفتقر لمعلومات موثوقة، وبعدما قرر السيد حسن نصر الله تأخير إطلالته الإعلامية إلى ما بعد زيارة العاهل السعودي إلى لبنان، تبريداً للأجواء وإفساحا في المجال أمام الاتصالات البعيدة عن الأضواء.

كما تردد في بيروت أن الملك السعودي قد يبذل جهداً مع الولايات المتحدة، من أجل إرجاء القرار الظني أو تعديله، وإعادة فتح الاحتمالات المتعلقة بالاغتيال.

قمة بيروت أراحت جميع الأطراف، وجلبت شيئا من البرودة إلى المناخ السياسي الحار الذي كان يعيشه لبنان، لكن ثمة شكوكاً في أنها وفرت الحل المتكامل والمقبول من «حزب الله».في انتظار ان يصدر الحزب تعليقا على بيان القمة الثلاثية.

كاتب لبناني

adm.admco@gmail.com