قرأت ذات يوم أحد الأبحاث التي نالت جائزة متميزة في مؤتمر دولي يحضره لفيف من الباحثين العرب، وبعد القراءة لم أستطع للوهلة الأولى استيعاب ما فيه من أفكار.. فاللغة على الرغم من أنها عربية، فإنها أبعد ما تكون عن العربية التي نعهدها أو غيرها.. مجموعة من الكلمات الغامضة والمتراصة، دون رابط أو نسق تستطيع أن تخرج منه بفكرة محددة.

فقرأت البيانات الخاصة بالباحث، ووجدته أستاذاً جامعياً خريج إحدى الجامعات العريقة. قلت: آخذ بالحكمة التي قالها ذات يوم الكاتب والأديب عباس محمود العقاد «لأن تقرأ كتاباً ثلاث مرات، خير لك من أن تقرأ ثلاثة كتب»، وقست على ذلك، وقرأت البحث للمرة الثانية، ولكن الحال هي الحال: حروف وعبارات عربية لكنها غير مفهومة.

قلت في نفسي: ربما يتغير الحال بعد القراءة للمرة الثالثة حتى أكون عملت بالحكمة كما قيلت، فلم يتغير شيء. لزمت الصمت وألقيت باللوم على نفسي في عجزها عن فهم اللغة التي كتب بها البحث، لضعف قدراتي على فهم هذا المستوى من اللغة التي جاءت فوق طاقتي، وربما مرجع هذا العصيان على الفهم اختلاف التخصص.. لكنها العربية!

واستجمعت شجاعتي الأدبية وسألت باحثاً بجواري في التخصص ذاته: هل قرأت هذا البحث؟ قال: نعم. قلت له: وبماذا خرجت منه؟ قال: لم أستطع فهم جملة واحدة. فعاد بعض من الثقة إلى نفسي، وتجرأت على سؤال آخر، فكانت الإجابة ذاتها! رغم فوز البحث بجائزة المؤتمر.

ووجدتني أتساءل؛ هل كلما تحدث الباحث العربي.. حاله حال المثقف العربي.. بلغة غير مفهومة وعدة من المصطلحات بعيدة عن مجتمعه وواقعه، اعتبرنا ذلك من علامات النبوغ وعمق الثقافة ودقة التخصص الذي تجعله أهلاً لحصد الجوائز؟ هل الغموض دليل العبقرية والنبوغ؟

وهل وضوح الأفكار دليل السطحية والضحالة؟ وهل من المفيد للمثقف أن يتحدث بلغة بعيدة عن لغة الناس، يعيش في معزل عن دنيا الناس حبيس هرطقته وهذيانه، غائباً عن هموم مجتمعه، يفني عمره في البحث في موضوعات مبهمة، ويراهن على أن أفكاره سابقة لعصره، وأن ما يهذي به سوف يخلده التاريخ، عندما يستبدل الله بهؤلاء الأقوام من السوقة والدهماء ـ في ظنه ـ قوم يفهمون مراد فكره ومغزاه؟

في تقديري أن المثقف الحقيقي هو جزء لا يتجزأ من مجتمعه، له دور ريادي في طرح أفكار قابلة للفهم والتطبيق في مجتمعه. المثقف هو من يستشعر وجع الناس، ويشاركهم في الأفراح والأتراح.. فالحضارات الإنسانية، على الرغم من أنها قامت بجهود شعوب، لكن أساسها أفكار أفراد أحسوا بحاجة مجتمعاتهم وهمومها فأصبحت هي حاجتهم وهمهم الخاص..

المثقف الحقيقي هو من يستطيع أن يضع للناس خارطة طريق توضح لهم كيف يعيشون، لا من يدعوهم إلى حمل أكفانهم وأن يدخلوا قبورهم هرباً من واقع عصي على المواجهة، هو من تنبع أفكاره من ميراث مجتمعه مع انفتاحه على كافة الأفكار، لا من يبحث دائماً عن الأفكار المستوردة حتى وإن لم تكن ذات جدوى.

وتساءلت ثانية؛ هل لا بد للمثقف لكي يكون كذلك بحق، أن يرفع دائماً راية العصيان، وأن يكون دائماً الطرف المناوئ؟ ألا يستطيع المثقف أن يجسد حالة من التوازن، يستطيع من خلالها أن يجسر العلاقة بينه وبين المنظومة المحيطة به بما قد يعود بالنفع على مجتمعه، دون أن يتهم بالتزلف والخنوع؟ وهل من المريب أن تتطابق رؤى المثقف مع رؤى المنظومة المؤسسية لمجتمعه؟

ألا يستطيع أن يقدم نموذجاً يجمع بين تقديم رؤاه الخاصة في إطار السعي إلى الصالح العام بهدوء، دون عنتريات؟ فما يقدمه في الأخير أفكار ليست مقدسة، وهي قابلة للاختلاف الذي لا يعني في كل الحالات الاضطهاد أو الحجر. فليس كل الفكر صواب أو كله خطأ، ولكن تضخم عقدة الذات عند بعض أصحاب الياقات البيضاء، يجعلهم يطالبون بنقيض ما ينادون به.

فبعضهم ينادي بأعلى سقف للحرية في مناقشة أفكار غيره، ويطبق أقصى درجات الدكتاتورية عند مناقشة أفكاره. والبعض الآخر يرفع لاءاته لأسباب مرحلية، ثم ما تلبث أن تختفي من قاموسه، ويتحول من النقيض إلى النقيض، بل ويسوق الحجج التي تبرر موقفه في ما سبق، ولا يعدم الحجج التي تثبت صحة موقفه الحالي.

إننا نلقي باللوم على جيل الشباب بدعوى سطحية اهتماماته وتفكيره، في حين أن اللوم يقع كذلك على المثقفين الذين ينظرون إلى الشباب نظرة استعلاء، والذين يؤثرون دائماً التحدث إليهم من موقع الخطابة والتوجيه، لا التحدث معهم والاقتراب من أفكارهم، والفرق كبير.

إن المثقف حامل همّ، وصاحب دعوة ورسالة يبشر بها، فهو من الناس لأنه ضميرهم ولسانهم الناطق بإرادتهم، وقيمة فكره وشرعيته لا تتأتى إلا بالتفافهم حوله وإيمانهم به والذود عنه.. والتاريخ شاهد عيان على من بذلوا أنفسهم دون ما يؤمنون به من أفكار تخللت اللحم والعظم.. والمثقف في الأخير يبيع فكراً، وإذا لم يكن مؤمناً ومتحمساً وقادراً على إيصال فكره للناس، فأولى بهم ألا يشتروا منه.

إن التحديات التي تواجهها أمتنا، تتطلب من كل صاحب فكر وقلم أن يتحمل مسؤوليته التاريخية في المساهمة في فض هذا الاشتباك القائم بين رؤى المثقفين وواقع الناس، وإلا فالكل في الأخير خاسر، بدءًا من مؤسسات المجتمع إذا تجاهلت صوت المثقف وسعت لإسكاته، مروراً بالمثقف ذاته الذي ارتضى أن يفتن بعلمه، وليس انتهاء بمريديه الذين انتظروا منه ما لم يقدمه وكان الخذلان نصيبهم.

إنني أتطلع لليوم الذي يكون فيه الخطاب الثقافي يجمع بين الرصانة والدقة، وبين البساطة وسهولة الفهم، لكي تصل الرسالة إلى كافة شرائح الناس، دون الاكتفاء بمخاطبة المثقفين بعضهم لبعض، بعيداً عن رجل الشارع أو متوسطي الثقافة.

عميد كلية المعلومات والإعلام والعلوم الإنسانية جامعة عجمان للعلوم والتكنولوجيا

Dralkhaja@gmail.com