«سيام» البلد الوحيد في شرقي جنوب آسيا الذي لم تستول عليه القوى الأوروبية، رغم توافدهم على المنطقة منذ بداية القرن ال16 الميلادي وضغوطهم التي مارسوها للسيطرة عليها، إلا أنها رفضت الخضوع تحت إمرتهم، وفضلت أن تقدم بعض التنازلات لصالح القوات البريطانية، مما حدا بالبعض إلى إدراجها في قائمة مستعمرات التاج البريطاني.

ورغم ذلك ظلّت سيطرة هؤلاء محدودة، وفي العام 1932 اندلعت فيها ثورة دموية أدت لقيام الملكية الدستورية، وغيرت اسمها من سيام إلى تايلاند، لكنها اضطرت مرة أخرى إلى تغييره بعد الحرب العالمية الثانية، وعادت إلى اسمها القديم.

وتكتسب هذه المملكة الدستورية تميزها، من تميّز تضاريسها التي وضعتها في مصاف الوجهات السياحية الأولى بالنسبة للسياح من مختلف دول العالم، ولا سيما الأوروبيون الذين دفعوا ثمنا باهظا، فقد ذهبت أرواحهم هباء بعد أن ضرب تسونامي 2004 شواطئ جزرها، وبلغت نسبتهم 50 في المائة من جملة الضحايا في تايلاند.

المتتبع لمجريات الأحداث في هذه المملكة، يجد أنها تحقق استقطابا كبيرا في عدد المهتمين بمستقبلها السياسي، وبمستوى الأمن والأمان والاستقرار فيها، لكن البعض الآخر، وخاصة أولئك المصيفين من دول الخليج العربي الذين يؤمونها من كل حدب وصوب ويكتسحونها اكتساحا في موسم السفر والإجازة.

لا يزال بعضهم يجهل الأسباب التي تقف وراء القلاقل الأخيرة والتي تجتاح البلاد بين الفينة والأخرى، ويهمّ المتخرصون في اتهام الحكومة الحالية بأنها تقف وراء قمع المعارضة التي تعرف بأصحاب القمصان الحمر، أما البعض الآخر فيرى أن أصحاب القمصان الصفر هم أيضا متورطون في حدوث التفجرات في الوضع الأمني.

ولكن واقعيا وسياسيا، فإن هذه المملكة الآسيوية التي تكتسب حريتها من تسميتها ب«تاي» التي تعني «الحر» في اللغة التايلندية، ولإحساس التايلنديين بعمق هذا المكتسب تلقاهم رافضين لكل أسباب القمع وأشكاله. ومنذ حدوث الانقلاب العسكري على حكومة «تاكسين شيناوترا» التي حكمت البلاد منذ عام 2001 وحتى عام 2005، يبدو وكأن التاريخ قد توقف لدى التايلنديين.

فتعاقب الحكومات بعد زلزال إقالة «شيناوترا»، قد هزم مبدأ تداول السلطة بين الأحزاب السياسية في تايلاند بسلاسة واستقرار. ورغم تولت كثير من الحكومات التي جاءت في أعقاب حكومة شيناوترا، إلا أن جذوة هذا الانقلاب ظلّت تحرّك جموع السكان الذين ينقسمون بين مؤيد لحكمه ومعارض له.

وأصبحت هذه الحكومات إما امتدادا لفترة حكمه، التي رأى خصومه أنها فترة فساد استفاد منها «شيناوترا» مليارات الدولارات على حساب تنمية الوضع الاقتصادي التايلندي، في حين يتباكى بعضهم على أيام حكمه التي وصل فيها النمو الاقتصادي حدا مرضيا.

ويظلّون يطالبون بعودته وإنصافه، خاصة وأن شيناوترا قد أصبح مكشوفا ضلوعه في الوقوف وراء الأحداث الأخيرة التي حركت جموع القمصان الحمر ضد الحكومة، وحوّلت بانكوك العاصمة الهادئة إلى ترسانات للصدام بينهم وبين قوات الأمن.

السؤال؛ لماذا لا يغض التايلنديون النظر عن هذا الزعيم المليارديري ويدعونه في منفاه الاختياري في عاصمة الضباب؟ الإجابة بسيطة، فحركة المعارضة التي تأسست عشية الانقلاب العسكري على شيناوترا، والتي تعرف بالجبهة المتحدة للديمقراطية ضد الديكتاتورية، ارتدت قمصانها الحمراء في إعلان صريح عن دموية الانقلاب الصامت الذي أطاح برئيس وزرائهم المنتخب بأغلبية شعبية، وأن لا شرعية وراء إقصائه عن الحكم، خاصة وأن شيناوترا استطاع أن يكسب قلوب القرويين الذين ينظرون إلى سياساته على أنها شعبية.

من ناحية ثانية، يلعب شيناوترا لعبة الحمار والجزرة، فالمعارضة التي تتحرك لمناصرته ظالما أو مظلوما، أصبحت في يده كالورقة الرابحة التي يمكن أن تعمل على إجهاض الحكم القضائي الذي يطارده مع زوجته، بوضعهم خلف القضبان لمدة سنتين بعد إدانتهم في قضايا فساد، في حين يمنّي شيناوترا نفسه بالعودة إلى الحياة السياسية، خاصة وأن جبهة المعارضة بدأت في ازدياد.

وأخذت منحنى جديا لوضع البلاد في مكانة لا تحسد عليها كبدتها خسارة ملايين الدولارات، لدرجة دفعت الملك بوميبول للخروج عن صمته، فألقى خطبة طالب فيها الجميع بحقن الدماء والالتفات لبناء تايلاند، لأن الوضع بات ينذر بالانهيار. ورغم أن الملك يملك ولا يحكم، إلا أن المكانة التي يحظى بها بين شعبه، أوجدت الحاجة لحكومة ايهيسيت فيجاجيفا رئيس الوزراء الحالي، للجوء إليه لدغدغة مشاعر المعارضة ومحاولة كف يديها عن البلاد.

ربما تشعر المعارضة في قرارة نفسها بتورط الملك بوميبول شخصيا في إبعاد الرئيس شيناوترا عن سدة الحكم، وهذا يجعلها تماطل في الاستجابة لمطالباته، ولكن من يعرف تاكسين شيناوترا عن قرب سيدرك أن التصالح مع هذه الحكومات المتوالية حلم لن يتحقق، خاصة وأن الصفعة التي تلقاها كانت مدوية وشوهت تاريخه السياسي وحكمت عليه كأي مجرم ملاحق.

لذا ستظل هذه المملكة الساحرة والبسيطة في مرحلة عنق الزجاجة، حتى يتم التوصل إلى صيغة سياسية ترضي الأطراف جميعا بما فيها الحمر والصفر، وهذا لن يتسنى إلا بإلغاء الحكم القضائي ضد شيناوترا، وإعادة أمواله إليه التي تم احتجازها والاستيلاء عليها من قبل الحكومة، بحجة أنها أموال الدولة ولابد من استعادتها.

إن تايلاند اليوم لا تزال تقف على فوهة بركان لم يخمد، ورغم أن «فييرا» زعيم المعارضة وقائد القمصان الحمر قد أطلق سراحه بكفالة ضخمة، إلا أن حكومة فيجاجيفا لن تتسامح أو تتهاون في عودة شغب المعارضة، فهل ينجح فييرا في الوصول إلى الحلقة المفقودة ويقلب الطاولة على شيناواترا؟

كاتبة إماراتية

m.alemarat@gmail.com