أصبحنا الآن على مسافة زمنية تكفي لرصد ردود الأفعال المختلفة على السلوك الإسرائيلي الدموي ضد قافلة الحرية التركية، بالكثير من برودة الرأس والقليل من الانفعال والهياج العاطفي. وفي هذا الإطار، يمكن العثور على نمطين من هذه الردود.

أولهما، ذلك الذي انطلق في تقديراته من الأحكام والقوانين والأعراف التقليدية، التي تثور ويجري تداولها في هكذا مناسبات.. كرمي إسرائيل بالهمجية والتوحش ومخالفة الشرائع الدولية في معاملة المدنيين العزل، وانتهاك حرمة المياه الدولية، وصولاً إلى اتهامها بارتكاب جريمة قرصنة واضحة كشمس الظهيرة.. وعليه، لا بد من إخضاع هذه الفعلة للتحقيق الدولي المحايد، ومحاسبة المسؤولين عنها أمام القضاء المختص.

عموماً، فإن أصحاب هذه الردود هم الذين التزموا بمطالعة ظاهر الواقعة وحيثياتها بشكل أساسي، معتبرين أنها دليل إضافي على عصيان إسرائيل وعقوقها قانونياً وسياسياً وأخلاقياً، وأنه ما كان لهذه الدولة أن تتبجح بما فعلت، دون الاستقواء بالحماية الأميركية.

أما النمط الآخر من ردود الأفعال، فهو الذي تجاوز في مقاربته الأبعاد الظاهرية الشكلية للواقعة، محاولاً سبر أغوارها العميقة؛ إيديولوجياً وفكرياً وفلسفياً. ويندرج تحت هذا النمط الذي تبنته الأقلية ـ في رأينا ـ أولئك الذين قرروا أن العنف الإسرائيلي ضد «مرمرة» وأخواتها، هو في التحليل النهائي محصلة خليط من أحاسيس الحيرة والخوف والارتباك والعجز عن الإبداع السياسي، التي تعتمل في جوف هذا الكيان الاستيطاني.. بل وقد يكون هذا العنف أحد تجليات الشعور بالضعف لا القوة.

فالبطش الشديد بجماعة في عرض البحر، تعرف عيون إسرائيل المبثوثة في جهات الدنيا الأربع، أنها لا تملك حماية ذاتية أو خارجية مسلحة، ليس من شيم الأقوياء الواثقين في أنفسهم.

لنا أن نلاحظ بالمناسبة، كيف خلص بعض التحليلات الرسمية الإسرائيلية، إلى أن عملية اتخاذ قرار «غزو» قافلة الحرية، وكذا أسلوب تطبيق القرار، قد اعتورتهما عيوب جسيمة، ولم يكونا مناسبين في مثل هذه الأحوال.

إسرائيل عند أعضاء هذا الفريق، تبدو كياناً مأزوماً بالمعنى الوجودي. ومن أجل الخروج من هذه الأزمة، طرح بعضهم حلولاً وتصورات من طبيعة تاريخية جذرية، بحيث أصبح المطلوب لديهم، ليس مجرد البحث في كيفية ردع هذا الكيان ومعاقبته وإجباره على الانصياع لشرائع الأمم المتحضرة وأخلاقياتها، وإنما إعادة النظر في علة وجوده واستمراره من الأساس.

لنتأمل مثلاً كيف أن هيلين توماس، الصحفية الأميركية المخضرمة، دعت الإسرائيليين إلى مغادرة فلسطين والعودة إلى ألمانيا وبولندا والولايات المتحدة وغيرها من البلاد التي جاءوا منها، لأن «فلسطين هي أرض الفلسطينيين».

ولنتأمل من جهة أخرى، كيف أزعج الانتفاض العالمي شبه الجماعي الكامل ضد إسرائيل، رئيس الوزراء الإسباني السابق خوسيه ماريا أثنار، بحيث دعا للدفاع عن إسرائيل كجزء من عالم الغرب، مشيراً إلى أن التخلي عنها خطأ استراتيجي، وأن وجودها مرتبط بوجود الغرب ذاته وسقوطها يعني سقوطه.

نحن هنا إزاء وجهتي نظر متعارضين تقريباً، تنادي إحداهما بنقض الكيان السياسي للمشروع الصهيوني من أساسه، فيما تحرض الأخرى الغرب على صيانة هذا الكيان بحسبه بضعة منه. ومع ذلك، فإن هاتين الوجهتين تتفقان تماماً من حيث معالجتهما لأصول الصراع على أرض فلسطين، انطلاقاً من حادث مرمرة، على محدودتيه في المكان والزمان.

يضيق المقام هنا عن التوسع في مناقشة هذه الرؤى الجذرية.. لكن ربما كان من المفيد الاستطراد إلى أن السيدة توماس، تعرضت لحملة إرهاب فكري وعسف مادي واتهامات صهيونية بالتطرف، أكرهتها على الاستقالة.

هذا في حين لم ينل أثنار ما يستحقه من نقد وتقريع. لم يقل أحد لأثنار بأن الغرب أولى باحتضان الكيان الصهيوني في رحابه الإقليمية، طالما أنه جزء منه، وأنه لا منطق عقلاني في استزراع هذا الكيان واتخاذه قاعدة عدوانية لا تهدأ، في قلب العالم العربي.

ثم إن أحداً لم يجادل المسؤول الإسباني السابق المتفلسف، في قضية اعتباره الغرب ضعيفاً إلى حد أن ازدهاره وانهياره مرتبطان قياماً وقعوداً ببقاء أو زوال هذا النتوء الاستيطاني؟!

في كل حال، نحسب أن إطلاله التأملات الجذرية في وجود إسرائيل على هامش حادث مرمرة، أمر مثير للخيال. فإذا كانت هذه الواقعة العابرة قد أطلقت مثل هذه التأملات في عالم الغرب، فمعنى ذلك أن نجاح المشروع الاستيطاني الصهيوني من عدمه، ما زال مطروحاً للتناظر، وأن مقاومة هذا المشروع لم تكن ماضيا، ولا هي حاضرا ومستقبلا بلا جدوى.

كاتب وأكاديمي فلسطيني

mohamedalazzar@hotmail.com