ذكرنا في إحدى المقالات السابقة، أنه في عام 1979 طرح سؤال على الصحافي محمد حسنين هيكل ـ وكان في زيارة إلى العاصمة أبوظبي ـ وكان السؤال بالحرف الواحد:
«ألا تعتقد بأنه من الأفضل القبول اليوم بما تعرضه إسرائيل على الفلسطينيين (في ذلك الوقت) لكي يحل السلام في الشرق الأوسط، من ألا يحصل الفلسطينيون لاحقاً حتى على نصف ذلك؟»، فتوقف الأستاذ هيكل قليلاً، مفكراً، مقلباً أفكاره، متردداً، وكأنه لم يكن يتوقع أن يطرح هذا السؤال من قبل شاب لم يتعد عمره آنذاك الثالثة والعشرين عاماً، وفي مكان ضم كبار دبلوماسيي وصحافيي البلد. وبعد برهة من التردد، التفت هذا الصحافي المحنك إلى صاحب السؤال، وابتسم قائلاً له:
«لا يا بني، لا أعتقد». إلا أن صاحب السؤال لاحظ الحرج الذي شعر به الأستاذ محمد حسنين هيكل، وأن نظراته القلقة كانت تقول عكس ذلك، لخبرته في مجال السياسة، ومعرفته الدقيقة بقدرات العرب ورؤيته بعيدة النظر.
وبعد مرور أكثر من ثلاثين سنة على هذا السؤال، يطرح السؤال نفسه من جديد: ألا يجدر بالفلسطينيين أن يقبلوا اليوم بفتات الخبز الذي رمته إسرائيل عليهم في الآونة الأخيرة، من ألا يجدوا بعد ثلاثين سنة مقبلة حتى رائحة ذلك الفتات؟
العالم العربي والإسلامي منقسم اليوم بين مؤيد وقابل وموافق ومعارض ومتردد، أمام ما أطلق عليه أخيراً «المفاوضات المباشرة». لا أحد يفهم ما يدور في مخيلة من يضعون مثل هذه المصطلحات الفارغة من المعنى.
فالمفاوضات بين إسرائيل والفلسطينيين والعرب، ظلت مباشرة منذ زيارة الراحل أنور السادات إلى إسرائيل، ولم يعد هناك من حاجز ولا حجاب ولا غطاء، ولا حتى ستار يفصل بين العرب وإسرائيل.
ومن قبل، نصب العرب من أنفسهم حماة لفلسطين وهم غير قادرين على حمايتها، وأولياء أمور الشعب الفلسطيني هم أنفسهم في حاجة، بل في الواقع هم أنفسهم تحت ولاية ووصاية الولايات المتحدة الأميركية والدول الغربية، فهي منذ أمد بعيد تقرر وهم ينفذون. فماذا تغير؟ وماذا سيتغير مع «المفاوضات المباشرة»؟
هل يعتقد المحتجون والمنددون والمناهضون والشاجبون، بأن المفاوضات غير المباشرة ستوقف الشعب اليهودي عن التوسع وعن مصادرة واحتلال أراضي الفلسطينيين المتبقية والمناطق المحيطة بإسرائيل؟ كيف سيتم ذلك والفضائيات العربية تعرض علينا صوراً لمستوطنات إسرائيلية تبنى وتشيد لبنة لبنة، بأيدي شباب فلسطينيين أباً عن جد؟
هؤلاء الشباب تركوا على هامش القضية، وجوعوا حتى اضطروا للعمل ضد مبادئهم، أما البقية التي هاجرت ثم عملت ثم استقرت ثم تكاثرت خارج فلسطين، فمنهم من حرم من حق العودة وهو غير عابئ، ومنهم من يرفض حتى فكرة التفكير في العودة ولو منح جوازاً من الذهب والفضة.
أما من بقي على أرض المعركة، فمنهم من استسلم مع مرور الوقت وتأثر بما توحي له به المواقف العربية من الأنانية والخنوع، ومنهم من قاوم فاستشهد، ومنهم من رزق حياة ثانية، وهؤلاء أصبحوا غير معترف بهم، وعملياتهم الفدائية أصبحت إرهاباً، ومواقفهم الرافضة عراقيل في طريق السلام. وشكلوا دروعاً بشرية لوقف تمدد إسرائيل في حدود مصر والأردن.
واليوم، نتحدث عن المفاوضات المباشرة، وغدا سنتحدث عن خروج آخر فلسطيني من «أرض الميعاد». والكل يعلم بأن إمكانات الفلسطينيين الموجودين في ساحة المعركة في الضفة وغزة وأعدادهم ونفسيتهم، لا تؤهلهم لمواجهة الآلة الحربية الإسرائيلية ومن ورائها الغرب بكل جحافله والعرب بكل صمتهم.
والقبول الفلسطيني هذا لم يأت من فراغ، فتجربتهم مع أنفسهم ومع العرب علمتهم ـ ولو متأخراً ـ أن الوقت يمر، والقضية محكوم عليها بالإعدام مع وقف التنفيذ، والأرض تبتلع أمام مرأى العالم، فلننظر ما يمكن إنقاذه قبل غرق السفينة بمن فيها.
كنا نأمل، وكنا نتأمل، وكنا نبكي ونحزن ونتمنى ونخالف في أحاديثنا وكتاباتنا، ما نراه يجري على أرض الواقع حتى لا نتهم باليأس وبالخيانة وبالتخاذل، ولكن الأمور كانت تسير في الطريق نفسه الذي سارت عليه الأمور في الأندلس.
وهؤلاء الذين يأملون بعودة فلسطين اعتماداً على الأوضاع الحالية للعرب والمسلمين، كان أجدادهم مثلهم يأملون بعودة الأندلس بعد مرور 518 سنة على خروج العرب منها. ولم تعد الأندلس، لأن العرب تقاعسوا عن استرجاعها. ولن تعود فلسطين ما دمنا معتمدين فقط على تكرار اسطوانة: «بالروح بالدم نفديك يا فلسطين».
القضية تحتاج إلى ساسة دهاة (وقد انقرضوا)، وتكتيك (موجود لكنه قديم) ومناورات (أصبحت على غير هدى) وإمكانات بشرية وعسكرية ولوجستية (موجودة بكثرة ولكن مجمدة). إن من يحلم بأن يستعيد فلسطين في حاجة إلى ما ذكر أعلاه.. وإلا فاتركوا إخوتنا الفلسطينيين يفاوضون مباشرة.. و«خلونا ننام».
جامعة الإمارات