خلال زيارة الرئيس التركي عبد الله غول إلى القاهرة مؤخرا ولقائه بالرئيس حسني مبارك، حرص الجانبان المصري والتركي على تأكيد أن علاقاتهما هي علاقات تكامل وليست علاقات تنافس، كرد غير مباشر على المقولات التي سادت في الفترة الأخيرة، حول أن تركيا تسعى إلى ملء الفراغ الذي تركته مصر في الشرق الأوسط.
والحاصل أن كلا الأمرين لا يخلو من صحة، فعلاقة تركيا بمصر في ما يتعلق بمنطقة الشرق الأوسط، علاقة معقدة يتداخل فيها أكثر من عامل ويحركها أكثر من هدف، ويتحكم فيها أكثر من مدخل، بما لا يمكن معه التعامل معها ببساطة، كما هو حاصل في معظم التحليلات السائدة حاليا.
فوفقا للعامل التاريخي، لا بد أن تكون علاقات مصر بتركيا ليست طبيعية، بالنظر الى أن مصر كانت واحدة من ولايات السلطنة العثمانية لفترة طويلة، لكن عامل التحالفات الخارجية لكلتا الدولتين يفرض عليهما أن تكون علاقاتهما على أحسن ما يكون.
ووفقا للتحديات التي تشهدها منطقة الشرق الأوسط حاليا، لا بد أن يكون هناك تكامل أو تنسيق كامل بين البلدين، لكن الصراع على الدور المركزي في المنطقة بين قوتين تاريخيتين، يفرض عليهما الصراع على الدور والمكانة.
وعلى مدى التاريخ المعاصر، اعتبرت تركيا قوة تدافع عن مصالح المسلمين السنة، وجرت بينها وبين إيران صراعات وحروب باردة اتخذت الطابع المذهبي، وحتى في الفترة التي كانت الدولة التركية علمانية تتخاصم مع الدين، كان الدفاع عن السنة يعتبر من ثوابت سياستها الإقليمية، وتنافست في هذا الأمر مع السعودية ومصر.
وفي رأي عدد كبير من المحللين الغربيين، فإن الامتداد الإقليمي لإيران وسيطرتها على السياسة العراقية في السنوات الخمس الأخيرة، تدفع الدول الثلاث إلى التنسيق في ما بينها، لأن امتداد النفوذ الإيراني يهدد المصالح الإقليمية للدول الثلاث ويمثل خطرا على أمنها القومي. وهذا أحد مصادر فهم العلاقات المصرية التركية في الوقت الراهن.
وهناك اختلاف بين رؤية الدول الثلاث والدول الغربية حول سبل التعامل مع التهديد الايراني، ففي الوقت الذي يرى فيه الغرب أن الصدام والحصار هو الأسلوب الأفضل، فإن الدول الثلاث، على الأخص تركيا، ترى أن الاحتواء هو الأسلوب الأمثل، ويتم ذلك عبر إقامة علاقات طبيعية مع إيران، ولكن دون إعطاء اي فرصة لها للامتداد الإقليمي، وهذا ما يفسر الزيارات المتبادلة بين مسؤولين أتراك ونظرائهم الإيرانيين.
وفي رأي الدول الثلاث، فإن الصراع المفتوح مع إيران يترك فراغا لإسرائيل يجعلها هي القوة المهيمنة في منطقة الشرق الأوسط، وهو الأمر الذي يهدد هو الآخر المصالح الإقليمية لهذه الدول. وبالتالي فإن هناك ما يجمع بين الدول الثلاث، وعلى الأخص مصر وتركيا، في ما يتعلق بمستقبل منطقة الشرق الأوسط.
ولكن على الجانب الآخر، فإن تركيا تسعى لأن يتحول النظام الاقليمي السائد حاليا في المنطقة، الى نظام شرق اوسطي تلعب فيه هي الدور المركزي، وهو ما قد تقبل به كل من إيران وإسرائيل، لكنه يفتح المجال أمام صراع على الدور بين تركيا وكل من مصر والسعودية اللتين تتمسكان بالنظام الاقليمي العربي، وهذا أحد مصادر التناقض بين تركيا ومصر، بما يعني أن علاقات الدولتين يمتزج فيها الصراع مع التكامل.
وحتى في القضايا التي تتخذ فيها الدولتان موفقا مشتركا، فإن دوافع هذا الموقف تختلف بينهما بما يصل أحيانا إلى درجة التناقض. ففي ما يتعلق بالموقف من الممارسات الإسرائيلية ضد الشعب الفلسطيني.
فإن تركيا تتخذه لأنها تسعى إلى دور مركزي وتريد أن تعطيه طابعا شعبيا، خاصة في الدول العربية، في الوقت الذي تتخذ مصر مواقفها وفقا للتداخل بين أمنها الوطني وما يجري في فلسطين من أحداث وتطورات، ووفقا لتوازنات علاقتها مع الإسلام الأصولي المحلي، الذي له شبكة علاقات تمتد إلى فلسطين.
وبعيدا عن هذه التوازنات والتعقيدات المتعلقة بعلاقات تركيا ومصر، فإن سببا مهما من أسباب زيارة عبدالله غول إلى القاهرة هو سبب رمزي، تسعى تركيا من خلاله لطمأنة مصر في ما يتعلق بأنها لا تسعى الى البحث عن دور إقليمي على حسابها، وأنها لا تسعى إلى ملء فراغ تركته مصر، بقدر ما أنها تسعى الى استكمال بناء وضعت أسسه مصر نفسها.
وذلك لأن النظام المصري الحالي بسبب تداعيات كثيرة، أصبح يهتم بالأبعاد الرمزية للتحركات السياسية. وهو ما يؤكد أن زيارة غول هي في أساسها زيارة تطمينية لمصر، أكثر منها زيارة تستهدف أمورا أخرى سياسية أو اقتصادية، لكنها في الوقت ذاته تفتح المجال أمام تواصل آخر على صعيد السياسة والاقتصاد، يمكن أن يتواصل في وقت لاحق بين الأجهزة الفنية المختصة في البلدين.
وفي هذا المجال لا بد من الإشارة الى أن الاستثمارات التركية في مصر زادت في السنوات الأخيرة، وهو ما يعتبر بمثابة رسالة تطمينات أخرى من تركيا لمصر، خاصة وأن توجيه الاستثمارات الخارجية التركية يخضع لاعتبارات السياسة الخارجية، حيث تلعب الحكومات التركية دورا ما في تحديد جدول أعمال هذه الاستثمارات والدول التي توجه إليها.
كاتب مصري