أحزنتني التعليقات المتشنجة على مقال الأسبوع الماضي، إذ إنها كانت تنضح بعداوة ظاهرة وتلجأ إلى التعميم، دون مناقشة جوهر المقال، فبدا منها وكأنني أنكر على الشعب الكردي حقه في تحقيق أحلامه الوطنية، وهذا ليس صحيحا على الإطلاق، إذ يعاكس مجمل ما كتبت عن الكرد طوال حياتي.
مجمل فهمي للموضوع، أن هذه المنطقة من العالم تنمو وتزدهر وأحيانا تسود الدنيا حينما يأتي نظام سياسي يستطيع أن يستوعب تنوعها، ويطلق طاقات شعوبها على قاعدة لوحة فسيفسائية واحدة، وأنها تضمحل ويخبو بريقها حينما تتطاحن إثنياتها وأعراقها ومذاهبها، وهذه هي لعبة الاستعمار التي نجح فيها منذ نهاية الحروب الصليبية وحتى اليوم.
لا يمكن النظر إلى الموضوع الكردي من زاوية قومية ضيقة، كما صنفني بعض من اجتهدوا في اتهامي بكل النقائص، بل يجب النظر إليه من منظور تاريخي حضاري، ومن هذا المنظور فإن الأكراد والفرس والأتراك ظلوا رديفا للعروبة والإسلام، منذ بداية الدولة الأموية وحتى نهاية عصر النهوض في كل المجالات.
فصلاح الدين الأيوبي بطل عربي إسلامي بامتياز، وليس محتكرا للأكراد وحدهم، كما أن شوقي أمير شعراء العربية، ولد لأب من أصول كردية من مدينة السليمانية العراقية وأم تركية الأصل، كما كانت جدته لأبيه شركسية وجدته لأمه يونانية.
وليس من اعتبر ذات يوم عبد الله أوجلان بطلا على خطى الثائر تشي جيفارا، واعتبر أن القوى الاستعمارية الغربية تآمرت عليه ودفعت لاعتقاله وتسليمه إلى تركيا، ولا من استنكر الإجحاف التاريخي الذي لحق بالأكراد منذ اتفاقية سايكس ـ بيكو معاد للأحلام الكردية، غير أني أرى أن الغايات الشريفة لا بد لها من وسائل شريفة، وليس الكيان الذي اغتصب أرضا واقتلع شعبا، هو من يمكن أن يساعد أحدا في تحقيق حلم وطني.
في المقال السابق ما أثار وجعي هو التغلغل الثقافي الإسرائيلي في كردستان، وذلك عين ما قصدت، ورجعت إلى التاريخ لكي أبين أن هذه الجرثومة الثقافية التي نبتت في الجسد الكردي، مرجعها للساسة الذين ساروا في اتجاه خطأ يعاكس تاريخ الكرد وإسهامهم الحضاري وإرثهم الثقافي.
ولأني لست ممن يرى القذى في عين غيره ولا يرى الخشبة في عينه، أعرف أن هناك علاقات سياسية وسفارات لإسرائيل في غير عاصمة عربية، لكن الجزء المليء من الكوب يؤكد أن سفراء إسرائيل الذين عينوا في مصر على سبيل المثال، نبذهم المجتمع وعاشوا في حصار ومرارة عبروا عنها في مذكراتهم التي كتبوها بعد عودتهم من مهامهم، كما أن الثقافة المصرية ظلت عصية على التغلغل الإسرائيلي، فلا مشاركة في مهرجان للسينما ولا معرض للكتاب ولا ندوات، ولا أي علاقات نقابية أو برلمانية من أي نوع.
كما لم تخرج مطبوعة مصرية واحدة تدافع عن التقارب مع إسرائيل، وظل ذلك خطا أحمر، وحين غضب السادات من الأمر الذي يعاكس خطاه، أكد له كبار المفكرين أن الثقافة لا ينبغي أن تدفع ثمن خطى سياسية، وظلت إسرائيل في الوعي العام عدوا، وإن قالت السياسة غير ذلك.
هناك إجحاف تاريخي لحق بالأكراد، نعم.. ولكن الشعوب لا تتحالف مع الشيطان لتحقيق أمانيها الوطنية، فإسرائيل لن تكون أبدا نصيرا للحرية، وهي تقتل الحرية كل يوم عبر هدم القرى وارتكاب المذابح وتشويه الحياة.
وربما يكون البحث عن الروابط المشتركة مع العرب والأتراك والإيرانيين، هو الأجدى والأكثر نفعا، على قاعدة الدولة العادلة التي تعطي كل مواطن حقه في المواطنة وتحقيق ذاته وأمانيه الوطنية والقومية، وتجسد التنوع في إطار الوحدة، وليس على قاعدة إقامة كيانات تكون حصان طروادة لمن يضمرون الشر للمنطقة، بعربها وفرسها وأتراكها وأكرادها.