رغم قسوة الاحتلال الإسرائيلي التي تصدر عن طبيعته العنصرية، ورغم طول فترة هذا الاحتلال والطبيعة الإلغائية للصراع، يعتبر الشعب الفلسطيني من أكثر الشعوب حيوية.
لم تفلح كل المخططات الإسرائيلية والدولية في تبديد هوية الشعب الفلسطيني، ولا في توطينه وإذابته في محيطه العربي الذي ينتمي إليه، ولا في المهاجر الأجنبية التي تغري مواطنيها بالاستقرار والاندماج. لعل من أهم مظاهر هذه الحيوية، هذا التعدد الواسع والتنوع الكبير في عدد الفصائل والأحزاب والجماعات السياسية، التي يشكل وجودها أيضاً عاملاً حاسماً في الحفاظ على الهوية الوطنية للشعب الفلسطيني، والأمة العربية.
من يقف على خارطة الأحزاب السياسية والفصائل الفلسطينية، سيعثر على بضع سمات تعكس في الأساس الأصالة، وعمق التمسك بالحقوق الفلسطينية.
أول هذه السمات؛ الثبات، حيث لم يبادر أي فصيل أو حزب إلى حل نفسه أو الاندماج في فصيل آخر، حتى الفصائل والأحزاب محدودة الحجم والجماهيرية والتأثير.
ثمة فصائل خاضت الانتخابات التشريعية عام 2006، لكنها لم تحصل على نسبة الحسم (5,1%)، ولكن هذه الفصائل حافظت على وجودها واستمراريتها، رغم أن أعمار بعضها، مثل جبهة النضال الشعبي وجبهة التحرير الفلسطينية، يوازي عمر الاحتلال الإسرائيلي لبقية الأراضي الفلسطينية إثر حرب 1967.
ثاني هذه السمات؛ ثبات القيادات السياسية التي تتحمل شرف التأسيس، فإذا لم يغيب الموت والاستشهاد بعض هذه القيادات، فإنها لا تترك مواقعها.
وباستثناء التغيير الذي وقع في قيادة حزب الشعب وأدى إلى صعود قيادات شابة، والنموذج الذي قدمه المرحوم الدكتور جورج حبش، الذي استقال من منصبه كأمين عام للجبهة الشعبية لتحرير فلسطين لإتاحة الفرصة أمام قيادات أخرى، باستثناء ذلك، فإننا سنقف على ظاهرة ثبات قيادي تحتاج إلى دراسة وتعمق.
في حركتي فتح وحماس، كان إقدام المحتل الإسرائيلي على ممارسة سياسة الاغتيال، سبباً في تغييب القيادات، من ياسر عرفات، وخليل الوزير، وصلاح خلف، وهايل عبد الحميد.. إلخ، ومن الشيخ أحمد ياسين، وعبد العزيز الرنتيسي، وصلاح شحادة، وأبو شنب، والمقادمة، إلى سعيد صيام.
وعلى نحو أقل، كان السبب ذاته قد أدى إلى رحيل أمين عام حركة الجهاد الإسلامي فتحي الشقاقي، وأمين عام الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين مصطفى الزبرى.
على الضفة المقابلة، يواصل نايف حواتمة دوره كأمين عام للجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين، وأحمد جبريل على رأس الجبهة الشعبية ـ القيادة العامة، وقبل عام رحل الدكتور سمير غوشة وهو على رأس جبهة النضال الشعبي، وكلهم وعدد آخر من القيادات التأسيسية واصلوا في مواقعهم القيادية منذ البداية.
ثالث هذه السمات؛ الثبات في البرامج والمناهج، بما يفضي إلى شكل من أشكال العصبوية التنظيمية، التي تقترب من الطبيعة الاجتماعية الفلسطينية التي تتسم بالعشائرية. في كثير من الأحيان، يصعب على المرء أن يجد فرقاً جوهرياً بين فصيل وآخر، من حيث البرامج والتوجهات والأهداف، وإذا كانت ثمة فروقات فإنها لا تبرر غياب الوحدة وإدارة تحقيق الاندماج بين فصيلين أو أكثر.
إن تجارب اليسار الفلسطيني ماثلة للعيان، فرغم وجود اختلافات سياسية وأحياناً حول أشكال النضال، فقد باءت بالفشل كل المحاولات، وهي كثيرة، التي جرت لتوحيد حزب الشعب والجبهة الشعبية لتحرير فلسطين والجبهة الديمقراطية، كفصائل يسارية، حتى إزاء إمكانية تحقيق تحالف جبهوي يشكل مقدمة للتوحيد.
ثمة حركات أخرى تتسم بطابع وطني عام مع نكهات خاصة يضيفها البعد العصبوي، وحركات تتسم بطابع إسلامي ولكنها أيضاً غير قابلة للتوحد والاندماج، رغم أن ما تتفق عليه هذه الحركات أكثر مما تختلف حوله.
رابع هذه السمات؛ الثبات على البرامج والهويات السياسية، وكأن المسألة تتصل بالكرامة، إذ يصعب أن نعثر على عمليات تجديد، سواء في البرامج التنظيمية أو السياسية أو الإيديولوجية، حتى حين يعجز بعض هذه الفصائل عن تبرير تمسكها بهذا البرنامج أو ذاك، أو هذا الشكل النضالي أو ذاك، فإنها تواصل المكابرة، وتحاول تغطية عجزها وقصورها عن ممارسة ما تقتنع به، عبر خطابات إعلامية دعائية وشعاراتية.
خامس هذه السمات؛ تتصل بضعف التحالفات الخارجية، عربية كانت أم أجنبية، فباستثناء أن بعض هذه الفصائل ينتمي إلى حركات عالمية، مثل حركة حماس التي تشكل جزءاً من حركة الإخوان المسلمين، فإن معظم الفصائل والأحزاب لم تعد تكترث، أو هي غير قادرة على نسج تحالفات خارجية، وبعضها الآخر يلحق اسمه باسم هذه الدولة أو تلك من الدول العربية، كامتداد لسياساتها.
والآن يمكن استعراض خارطة الأحزاب والفصائل الفلسطينية، بغض النظر عن الحجم والإمكانيات ومكان وجود القيادة، والتأثير..
حركة فتح؛ مكرر ثلاثة، حيث الحركة المركزية المعروفة والتي تتقاسم مع حركة حماس التأثير والنفوذ والقوة، وحركة فتح الانتفاضة، وحركة الأحرار وهي حركة محدودة تأسست بتأثير من حماس بعد سيطرتها على قطاع غزة.
حركة حماس، حركة الجهاد الإسلامي، الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، حزب الشعب، الجبهة الديمقراطية التي ولدت من رحم الجبهة الشعبية، وأنجبت حزب «فدا».
الجبهة الشعبية القيادة العامة، وقد انشقت عن جبهة التحرير الفلسطينية التي انقسمت هي مرة أخرى، جبهة النضال الشعبي التي انقسمت أيضاً، جبهة التحرير العربية التي أنجبت الجبهة العربية الفلسطينية، حركة المبادرة الفلسطينية التي نشأت من رحم حزب الشعب الفلسطيني، حزب التحرير الإسلامي، والجماعة السلفية، وجماعات أصولية أخرى نشطت أكثر بعد سيطرة حماس على قطاع غزة، ألوية الناصر صلاح الدين، وقيد التأسيس المنتدى الفلسطيني الذي يرئسه رجل الأعمال منيب المصري.
هذا العدد الكبير من الفصائل والأحزاب، يتوزع بهذا القرار وذاك على طرفي الصراع والانقسام الفلسطيني؛ فتح وحماس، كحركتين مركزيتين، ويأخذ هذا التوزع طابعاً سياسياً بالدرجة الأولى، فيما يحافظ عدد أقل من هذه الفصائل على دور مستقل عن الحركتين.
في كل الأحوال، هذا التوزع يعني أن الحركات المركزية هي التي تحدد للآخرين سلوكهم العام، فإن كان على فتح وحماس أن توقفا المقاومة، سيترتب على الآخرين أن يفعلوا الشيء ذاته، بغض النظر عن قناعاتهم.
لقد توفرت فرص لاختيار مدى أهمية وتأثير هذا التوزع الحزبي والسياسي، حين كان المطلوب من الآخرين، ما عدا فتح وحماس، أن يمنعوا وقوع الصراع والانقسام، أو تحقيق المصالحة، غير أن التجربة فشلت، ما يعني أن على الفصائل الأخرى أن تقف بجرأة أمام برامجها ووجودها وحيثيات استمرارها، فإما أن تحل نفسها أو تندمج مع من يماثلها.
كاتب فلسطيني
