الصراع العربي الإسرائيلي على مدى أكثر من نصف قرن، مر بمراحل عديدة اختلفت فيها المفاهيم والمفردات، واختلفت حتى الثوابت، بحيث أصبح السلام مع إسرائيل الآن، وعلى مدى العقدين الماضيين، من الثوابت الرئيسية لدى العرب، والتي لا يقبلون لها بديلا.
فلا مقاومة ولا تفكير في حروب ولا صراعات، ولا حتى مقاطعات أو قطع علاقات، أو غيرها من أساليب الاعتراض والرفض للجرائم التي ارتكبتها وترتكبها إسرائيل على مدى العقدين الماضيين منذ أن انطلقت عملية السلام المزعزم معها، والتي في ظلها زادت عنجهية إسرائيل وجرائمها بشاعة وقبحا شهد عليه العالم أجمع.
لقد تغيرت مفاهيم وثوابت الصراع العربي/ الإسرائيلي حتى تحول إلى صراع إسرائيلي/ فلسطيني، وخرج العرب من المعادلة، ليقتصر دورهم على طرح المبادرات وعمليات الوساطة والبحث عن وسائل العيش في سلام مع إسرائيل، ثم تحول الصراع من إسرائيلي/ فلسطيني إلى صراع بين إسرائيل وفصيل فلسطيني، وليس مع كل الفلسطينيين، والآن بينما الجميع يتحدثون عن السلام، نجد إسرائيل تتحدث فقط عن الأمن.
العرب تغيروا كثيرا على مدى أكثر من نصف قرن، وتغيرت ثوابتهم وشعاراتهم في الصراع مع إسرائيل، فقد كانوا يرفعون قبل أربعة عقود أو يزيد شعار «صراع وجود لا صراع حدود»، وكانوا لا يعترفون بهذا الكيان المسمى «إسرائيل»، ولا يعترفون بأي حق له في الوجود.
ومن البديهي أن هذا الشعار، الذي يسخر منه الكثيرون الآن، كان أكبر بكثير من قضية فلسطين نفسها، وهذه حقيقة وواقع بداية الصراع العربي/ الإسرائيلي، ولم تكن مصر عبد الناصر لتخوض الحروب مع إسرائيل فقط من أجل الشعب الفلسطيني ومن أجل قضية فلسطين.
لقد استوعبت مصر في عهد عبد الناصر حقيقة وجوهر وجود الكيان الإسرائيلي في المنطقة، هذه الحقيقة التي غابت الآن بشكل واضح عن عقول العرب، والتي من أجلها دعمت الإمبراطورية البريطانية منذ البداية وجود هذا الكيان الصهيوني في هذه المنطقة بالتحديد، ثم جاءت الولايات المتحدة لترث نفوذ الإمبراطورية البريطانية في المنطقة وترث معه هذا الكيان لتواصل دعمه وحمايته.
هذه الحقيقة المسجلة تاريخيا، مفادها أن إسرائيل زرعت في هذه المنطقة من أجل هدف رئيسي، هو خلق النزاعات والتوتر والقلاقل التي تبرر الوجود والنفوذ الأجنبي الأميركي بعد البريطاني في المنطقة، واستنزاف ثرواتها.
لقد وعد الزعيم الصهيوني حاييم وايزمان بريطانيا عام 1914، بأن الدولة اليهودية في فلسطين ستحمي مصالح بريطانيا، خاصة في قناة السويس، كما وعد الصهاينة الغرب وواشنطن علنا، بأن إسرائيل ستحارب المد القومي العربي وتحول دون وصوله لمنابع النفط في دول الخليج العربي.
أما الوعود غير العلنية فكثيرة، ومن أهمها الوعد بعدم إعطاء الفرصة لدول هذه المنطقة للنهوض والتنمية، والسعي لإغراقها في الخلافات والنزاعات والحروب المستمرة، حتى لا يفيقوا لأنفسهم فيستغلوا ثرواتهم وإمكانياتهم في بناء أوطانهم، ويحرموا منها الغرب الذي سيرفضون عند نهوضهم نفوذه وهيمنته ونهبه لثرواتهم.
وبناء على هذه الوعود وحدها، ودون غيرها من الأساطير والأكاذيب التاريخية والدينية التي حيكت حول الكيان اليهودي في فلسطين، يستمر الدعم المطلق من الغرب، وخاصة من واشنطن لإسرائيل، وكما كتب الرئيس الأميركي الراحل نيكسون في كتابه الشهير «نصر بلا حرب» يقول:
«هناك أسباب قوية غير الأسباب المعنوية لمساندة الولايات المتحدة لإسرائيل، والتزامنا ببقاء إسرائيل عميق وأقوى من كل شيء، وهو التزام لم يخل به رؤساء أميركا السابقون، ولن يخل به أي رئيس قادم في المستقبل».
في ظل هذه الحقيقة التاريخية وراء أسباب الدعم الغربي لإسرائيل، يصبح من العبث وخداع النفس البحث عن السلام معها، لأن هذا السلام يتناقض في حد ذاته مع وجود الكيان الإسرائيلي ذاته، ويفقده وظيفته الأساسية التي من أجلها يدعمه الغرب وواشنطن.