«أنا واقفْ فوق الأهرام.. وقُدّامي بساتين الشام»، أغنيةٌ لمحمد قنديل راجت إبانَ الوحدة المصرية السورية التي أنهاها عسكريون سوريون في ,1961. يأتي بها إلى البال احتفالُ مصر وسوريا.
في هذه الأيام، باليوبيل الذهبي لتلفزيون كلٍّ منهما، وكان واحداً لمّا قام في أثناء تلك الوحدة. وقد يوقِظُ استدعاءُ ذلك الحدث العتيق هنا، أشواقاً لخطابٍ كانَ فائضَ العروبيّة والقوميّة، فيما أوضاعُنا اليوم على ما نَرى!
ولأنَّ الأمرَ كذلك، يصيرُ أجدى أن نتملّى في العلاقات الراهنة بين مصر وسوريا، صاحبتي العيد الخمسينيّ الواحد، والمناسبةِ التي غابت إلى حدٍّ كبير، في احتفالاتِ دمشق والقاهرة بها، الإشاراتُ إلى سوريّتها ومصريّتها معاً.
الفتورُ واضحٌ في العلاقات السياسيّة بين البلدين، اللذين اشتركا في حربٍ مجيدةٍ ذاتَ يوم غير منسيّ. وكان الظنُّ أنّ زيارةً، تمَّ حديثٌ عنها لأيام، يقومُ بها الرئيس بشار الأسد إلى مصر لتهنئة الرئيس حسني مبارك بشفائِه بعد رحلتِه العلاجيّة في ألمانيا.
ربما تدشّنُ استعادةَ حرارةِ التواصل بينهما، وقد تُهيّئ لترميمِ الركيزةِ الأهم في العلاقات العربية، أي التشاور بين المثلث المحوري؛ الرياض والقاهرة ودمشق.
لم تتم الزيارة، وظلّ البرودُ يطبعُ التواصلَ المحدود بين مصر وسوريا، والمستمرّ منذ صيف 2006. واللافتُ في الأثناء، أنّ العلاقات الاقتصادية بين البلدين تتطورُ إلى مراتبَ غير مسبوقة، فالتبادل التجاري زاد من 870 مليون دولار في 2008، إلى 1150 مليونا في 2009، ويتطلعُ البلدان لوصولِه إلى ثلاثة مليارات دولار.
وتمّ التوقيع في حلب، الشهر الماضي، أثناء اجتماعات اللجنة التجارية المشتركة، على عدّة اتفاقيات، لعلّ من أهمها تسيير خطٍّ ملاحيٍّ منتظمٍ أسبوعياً بين ميناءي طرطوس والإسكندرية، لتسهيل التجارة وتنقل مواطني البلدين.
نقرأُ أنّ الرئيس الأسد شدّد في لقاءاته قبل أيام مع رئيس الحكومة اللبنانية سعد الحريري، على «أهميّة تحييدِ الاقتصاد في العلاقات بين الدول العربية، وضمانِ استمرارِ وتطوّرِ العلاقاتِ الاقتصاديةِ بينها، حتى لو تدهورت العلاقات السياسية، أو أصابَها الفتور».
وأشار إلى «شيءٍ من الفتور السياسي» يسمُ علاقاتِ بلادِه مع مصر، فيما تتحسّن اقتصادياً. نقرأ ذلك، ونأملُ زوال الفتور البيّن بين دمشق والقاهرة، لتتوازى اندفاعةُ التحسّن في العلاقات الاقتصادية مع مثيلةٍ لها سياسيّة.
نقول هذا، ونحن نسألُ عمّا يمنعُ ذلك، طالما أنّ التمايزَ بين التصوّرات السياسيّة لقيادتي البلدين غيرُ كبير، وطالما أنّ المرءَ لا يقعُ على ما يجعلُ لموقف هذه العاصمة أفضليّة على موقف الأخرى، منذ اتفاقية خيمة سعسع بُعيْد حرب 1973.
مروراً بسكوت جبهة الجولان، عبوراً إلى التدخل في لبنان وما تخلل بعض محطاته من تصادم مع الحركة الوطنية اللبنانية والمقاومة الفلسطينية، ثم موقفُ المناصرة العربية التقليدي أثناء عدواني إسرائيل في 1982 و2006 على لبنان، والموقفُ نفسُه أثناء العدوان على غزة أواخر 2008.
ولا تُغفل مشاركةُ دمشق مع القاهرة في حملة «عاصفة الصحراء» على العراق في 1990، وموافقتهما على قراري مجلس الأمن 242 و338 ومؤتمر مدريد والتفاوض بعده، ثم على المبادرة العربيّة للسلام.
يُيسر الأرشيفُ، إذن، الوقوعَ على مُشابهاتٍ غيرِ قليلةٍ في الخيارات السياسية، (والعسكريّة أيضا)، وإن اختلفت النبرتان الإعلاميتان في القاهرة ودمشق تقليدياً، لاختلاف البيئتين السياسيتين فيهما.
وأجيء هنا على مفاصلَ في الأرشيف السوري، للتأشيرِ إلى مساحاتٍ وفيرةٍ وممكنةٍ للتفاهم والتنسيق السياسي بين قيادتي البلدين، تساعدُ في القفز عن اختلافاتٍ في الاجتهادات والانفعالات العابرة، فتصيرُ العلاقاتُ في عجلتيها، السياسية والاقتصادية، في حالٍ مشتهيً عربياً، وإن لم يصل إلى مثلِ الانتشاءِ في أيام غناء محمد قنديل عن وقوفِه فوق الأهرام، وقدّامه بساتينُ الشام.
opinion@albayan.ae