احتلت روسيا المركز الثاني بعد الولايات المتحدة في سوق السلاح العالمي، على مدى الأعوام الثلاثة الماضية، وذلك حسب تقديرات معهد استوكهلم الدولي والأمم المتحدة، وكلتا الدولتين تملكان أكبر مجمعين للتصنيع الحربي في العالم، والمجمعان يختلفان عن بعضهما كثيرا.

والفارق الأكبر بينهما هو أن المجمع الصناعي الحربي الروسي تملكه الدولة، بينما المجمع الأمريكي تملكه جهات خاصة وعائلات بعضها ليس أميركيا، وهذا الفارق في الحقيقة، هو الذي يحدد توجهات السياسة الخارجية والاستراتيجية الخاصة بكلا البلدين.

ففي الوقت الذي لا يتدخل فيه المجمع الصناعي الحربي الروسي في أي شأن من شؤون سياسة الدولة، لا من بعيد ولا من قريب، نجد المجمع الأمريكي له شأن آخر تماما في السياسة الأميركية بكافة جوانبها، حتى انتخابات الرئاسة والكونغرس يلعب فيها هذا المجمع دورا محوريا ورئيسيا.

ولا يقتصر دور المجمع الأميركي على الشأن الداخلي في الولايات المتحدة فحسب، بل يمتد ليشمل العالم كله، حيث تحمله غالبية دول العالم مسؤولية إشعال الحروب الكبيرة والصغيرة في مختلف أنحاء العالم، باعتبار أن هذه الحروب هي السوق الرئيسي لإنتاج هذا المجمع من السلاح.

فبينما يجتهد المجمع الروسي في البحث عن أسواق لمنتجاته لدى الدول الأخرى، يذهب نظيره الأمريكي ليصنع أسواقه بنفسه، وبما أن الدول تشتري السلاح لتدافع به عن نفسها، فإنها لن تشتري من السلاح أكثر مما يكفي لتحقيق هذا الهدف، وطالما ليست هناك حروب ولا تهديدات، فلا حاجة لشراء المزيد من السلاح.

ولهذا يذهب المجمع الصناعي الحربي الأمريكي بعكس نظيره الروسي، فيتدخل في سياسات الدول ويدفعها لخوض الحروب، ويخلق لها التهديدات حتى يجبرها على شراء إنتاجه من السلاح.

ولا يستطيع المجمع الأميركي أن يعتمد على طلبيات الدول الأخرى من السلاح لكي يستمر ويزدهر ويكدس الأموال في خزائنه، لهذا فإنه يعتمد في الأساس على الزبون الأكبر المضمون، وهو الولايات المتحدة نفسها، والتي تشتري وحدها أكثر من نصف منتجات هذا المجمع، وذلك بحكم الحروب التي تخوضها والتهديدات التي تواجهها.

هذه التهديدات والحروب التي يصنعها المجمع الصناعي الحربي الأميركي نفسه، من خلال تحكمه في توجيه السياسات الأمريكية الخارجية، وقدراته العملاقة، بما لديه من مؤسسات إعلامية واستخباراتية وسياسية هائلة، داخل وخارج الولايات المتحدة، والتي تتيح له أن يصنع، ليس فقط الحروب التي ستخوضها أميركا، بل ويصنع لها الأعداء أنفسهم، ويخلق لها التهديدات والمخاطر التي تجبرها على خوض الحروب ضد هؤلاء الأعداء.

هذا الحديث ليس غريبا ولا تشوبه فكرة الخيال التآمري، بل هو حديث قديم ومتجدد دائما ويعرفه القاصي والداني، ودائما يتذكر الناس حديث الرئيس الأميركي الأسبق دوايت أيزنهاور في خطاب وداعي في مطلع العام 1961.

حين تحدث عن قلقه من تنامي دور «المجمع العسكري الصناعي» في الحياة السياسية الأميركية بعد الحرب العالمية، وما يمكن أن يجلبه ذلك من خطر على الديمقراطية في الولايات المتحدة.

وكنا نحن في روسيا نردد هذا الحديث في الزمن السوفييتي، وتوقفنا عنه في السنوات الأخيرة، من باب المجاملة الدبلوماسية، وبعد أن أصبح المجمع الروسي منافسا أول للمجمع الأميركي في أسواق السلاح العالمية.

ولكن على ما يبدو أنه مع استفحال وتوحش المجمع الأميركي، الذي أصبح يهدد الاقتصاد العالمي كله في ظل الأزمة العالمية الحالية، باستنزافه ميزانية الولايات المتحدة، وبعد أن تراكمت ديون الولايات المتحدة لهذا المجمع حتى تعدت أكثر من ثمانية تريليونات من الدولارات، بما يعادل أكثر من ثلثي ديون أميركا التي هي سبب أزمتها.

أصبح واجبا تصعيد الحديث حول هذه القضية من جديد، وهذا ما لاحظناه على صفحات مجلة «دي شتريخ» الروسية، وهي تسلط الضوء على الدور الذي تلعبه شركات صناعة الأسلحة الأميركية، في تأجيج الأزمات واختلاق النزاعات المسلحة في مختلف بقاع العالم.

وتشير المجلة إلى أن بارونات السلاح الأميركيين، بدأوا يستفحلون ويتوحشون بعد الحرب العالمية الثانية، التي بلغ دخل شركات صناعة الأسلحة الأميركية من ورائها نحو مئة مليار دولار، وهو ما يعادل أكثر من تريليون دولار في وقتنا الحاضر.

ويؤكد المراقبون أن الحروب والنزاعات المسلحة التي يشهدها العالم الآن، يتم افتعالها وتبريرها بأكاذيب واهية، بهدف تنشيط مبيعات الأسلحة والمعدات العسكرية، وبهدف الهيمنة على منابع الطاقة أيضا، علما بأن بارونات صناعة السلاح في أميركا، هم أنفسهم ملوك النفط هناك.

رئيسة المركز الروسي الحديث لاستطلاعات الرأي

mekhaelovna@mg.ru