بعد انهيار الاتحاد السوفييتي واستقلال جمهورياته الخمس عشرة، سعت كل جمهورية منها على حدة تختار طريقها المستقل عن باقي الجمهوريات الأخرى، ولم تفكر أي جمهورية من هذه الجمهوريات في تكوين تحالف مع أية جمهورية أخرى، بل سعت جميعا إلى تكوين شراكات وتحالفات مع دول أخرى من خارج الفضاء السوفييتي.
وكان توجه معظمها نحو واشنطن التي فتحت ذراعيها لها جميعا، بما في ذلك روسيا نفسها، وانجر نظام الرئيس الراحل يلتسين في التسعينات وراء الخدعة الأميركية، مهرولا نحو الغرب وتاركا خلفه الشرق كله، بما فيه الفضاء السوفييتي نفسه، دون أي اعتبار لمصالح روسيا الإقليمية وأمنها القومي، الذي تصور الرئيس يلتسين ومن حوله أنه لا صلة له بالجمهوريات المجاورة.
وكان هذا بالفعل من أكبر أخطاء النظام الذي حكم روسيا سنوات التسعينات الماضية، إذ فتح عليها أبواب المشاكل والاضطرابات، كما فتح المجال للقوى الخارجية المتربصة بروسيا، لكي تتغلغل في هذه الجمهوريات، وخاصة الولايات المتحدة الأميركية التي أصبح لها في أقل من عقد واحد.
أكثر من عشر قواعد عسكرية على أراضي الاتحاد السوفييتي السابق، جميعها على بعد بضعة كيلومترات من الحدود الروسية، ناهيك عن القواعد الأخرى التي نشرتها واشنطن وحلف الناتو في أراضي دول الكتلة الاشتراكية في أوروبا، مثل بلغاريا ورومانيا وبولندا وتشيكيا وغيرها، وجميعها قريبة أيضا من الحدود الروسية.
ولم يكن بعض هذه القواعد في بعض الجمهوريات السوفييتية بمنأى عما حدث من اضطرابات وحروب ونزاعات في منطقة شمال القوقاز داخل الأراضي الروسية، بل كانت لها يد طويلة فيها.
وأفاقت روسيا في مطلع الألفية الثالثة على هذا الكابوس الأمني، لتجد نفسها محاطة بغابة من القواعد والقوات الأميركية، من وسط آسيا في أوزبكستان وقرغيزستان، إلى جنوب القوقاز في أذربيجان، إلى جورجيا وأوكرانيا ومولدافيا.
وجمهوريات البلطيق الثلاث (أستونيا ولاتفيا ولتوانيا) التي حصلت على العضوية الرسمية في حلف الناتو، وكان لا بد من العمل الجاد والدؤوب من أجل إنقاذ ما يمكن إنقاذه، قبل أن يأتي يوم تجد فيه روسيا نفسها محاطة بفوهات مدافع وبطاريات صواريخ حلف الناتو.
من هذا المنطلق، وضع رئيس روسيا السابق ورئيس الوزراء الحالي فلاديمير بوتين منطقة الجوار في الفناء السوفييتي السابق، على رأس أولويات السياسة الخارجية لروسيا، وزادت من اهتمامه بهذا الأمر أحداث الحادي عشر من سبتمبر في نيويورك.
والتي تسببت في تكثيف التواجد العسكري للولايات المتحدة وحلف الناتو في منطقة وسط آسيا على الحدود الأفغانية، هذا التواجد الذي ادعت واشنطن أنه لمواجهة الإرهاب الدولي، ولم تقتنع روسيا والصين بهذه الحجة، واعتبرتاها خدعة أميركية.
وقد نجحت سياسات بوتين إلى حد كبير في تنقية المنطقة من التواجد العسكري والسياسي الأميركي، خاصة بعد طرد القاعدة ألأميركية من أوزبكستان عام 2005، وربط جمهوريات آسيا الوسطى في علاقات أمنية واقتصادية قوية مع موسكو.
وكتبت مجلة «نيوزويك» الأميركية مؤخرا، تقول إن تغيير رئيس أوكرانيا والإطاحة برئيس قرغيزيا، بمثابة الدليل على أن روسيا بصدد استرداد ما فقدته في الساحة السوفيتية السابقة، بعدما اجتاحتها موجة من «الثورات الملونة» التي أوصلت المحسوبين على الغرب إلى الحكم في بعض بلدان المنطقة.
وحسب «نيوزويك» فإن موسكو لعبت دورا محوريا في انتخابات الرئاسة الأوكرانية وفي «انقلاب عشوائي» في قرغيزيا. ورأت المجلة الأميركية أن هذا شجع «الكرملين على المضي قدما في تغيير أنظمة الحكم في المزيد من بلدان الجوار القريب»، وعلى الأخص جورجيا التي تصمم موسكو وبشدة على عدم التعامل مع رئيسها ميخائيل ساكاشفيلي.
وتعتبره مجرم حرب يستحق العقاب، بينما يسعى ساكاشفيلي نفسه حاليا للتقارب مع موسكو، بعد أن كان يهددها ويهاجمها في المحافل الأوروبية والأميركية، ويقول الآن إنه مستعد للحوار مع موسكو دون أية شروط مسبقة.
وقد نصح وزير الخارجية الفرنسي برنار كوشنير أثناء زيارته لجورجيا، الرئيس ساكاشفيلي بأن يقتدي بأوكرانيا ويسعى للتقارب مع روسيا، إذا أراد الأمن لنفسه ولبلاده، وكأن لسان حال كوشنير يقول لساكاشفيلي «لن تنفعك أميركا ضد روسيا».
هكذا تعود روسيا تدريجيا لتفرض هيمنتها على الفناء السوفيتي، كخطوة لاستعادة مكانتها على الساحة الدولية.
كاتب روسي
Luon1935@kin.ru