الوجهة هذا الصيف إلى اليابان، هذا البلد الذي لا أخفي تعاطفا بداخلي نحوه، منذ أن اخترقت أرضه أول قنبلة ذرية سنة 1945 حولت درجة حرارة مدينة هيروشيما إلى ما فوق الألف درجة، وراح ضحيتها آلاف الأطفال والعجائز بغير جريرة اقترفوها، وكانت كفيلة بألا تقوم لهم قائمة في تاريخ البشرية وتعود بهم إلى عصور ما قبل التاريخ.

فلقد انتهى كل شيء عدا الإنسان الياباني الذي لملم جراحه وتجاوز محنته، وبدأ الصعود تحديدا بعد خمس سنوات من هزيمته.

وقبل أن يتعامل مع قاتليه، عكف على نفسه واستطاع أن يعيد بناء اقتصاده ويحقق ما اصطلح على تسميته المعجزة اليابانية، التي حيرت العالم وأصبحت نموذجا لكل بلد يسعى للنهوض، بعد أن أصبحت ثاني أقوى اقتصاد على مستوى العالم رغم قلة مواردها الطبيعية، ولا يكاد يخلو بلد على وجه البسيطة أو بيت من منتج صنع في اليابان، حتى أن بعض الباحثين أطلق على القرن الحادي والعشرين قرن اليابان.

لهذه الأسباب ولغيرها، قررت وأسرتي أن نشد الرحال إلى اليابان، مدفوعين برغبة عارمة في استكشاف عالمهم، خاصة وأن أحد البرامج على إحدى الفضائيات العربية، ظل على مدار شهر كامل يتغنى بسلوكهم في الملبس والمأكل والمشرب والانضباط وحب العمل، لدرجة التقديس.

فقلت أرى بأم عيني، لأن من رأى ليس كمن سمع. ورغم أنني لمست حب اليابانيين للعمل لدرجة الإدمان، ووجدت طيب المعاملة والانضباط في سلوكيات عديدة، غير أنهم في الأخير بشر لهم حسناتهم وسيئاتهم، وفيهم الصالح والطيب، ولم لا؟ فليست هناك جنة على الأرض، لكنهم البشر.

وهنا تذكرت ذاك البرنامج الذي رأى اليابان على أنها الجنة الموعودة، وأن كل سوءات السلوك البشري توجد في عالمنا العربي، وتساءلت: لماذا هذه الحالة من الإعجاب بالغير، للدرجة التي نغمض أعيننا عن نقائصه ولا نرى فيه غير كل جميل وكأنهم ملائكة يمشون على الأرض؟

ولا بأس أن تقع أعيننا على طيب غيرنا، فهذه من خصال الكرام، لكن يجب أن لا يجرنا ذلك إلى حالة من جلد الذات، للدرجة التي تصور أنه لا توجد في عالمنا نقاط نور، وأننا نغط في نوم عميق بلا قدرة أو إرادة على تحقيق شيء يمكن الاعتزاز به..

ولو أن ذاك البرنامج أنتجه اليابانيون لاعتبرناه نوعا من الدعاية، لكن الخطورة أن فضائياتنا هي التي تكبدت عناء سفر يصل إلى العشرين ساعة، وتحملت نفقات إنتاج برنامج يقدم دعاية مجانية لليابان، ويكرس أسوأ صورة عن العرب، خاصة أنه انتقى سلوكيات إيجابية في بعض مدن اليابان حولها إلى ظاهرة وسلوك عام، ونفس تلك العين انتقت بعض السلوكيات المعيبة في بعض المناطق لبلد عربي، وحولتها كذلك إلى ظاهرة وسلوك عام!

والانتقائية هنا في التصوير غير منصفة وغير جائزة، كما أن المقارنة غير عادلة، خاصة مع بعض الدول العربية التي تتعدد فيها الجنسيات والثقافات، في حين أن البنية الاجتماعية الواحدة لليابان تجعل الوضع مختلفا.

وأنا هنا لا أبحث عن مبررات، ولكن أرفض النظر لعالمنا العربي بعيون تشبه عيون المستشرقين، التي تبحث عن كل ما هو سلبي لتعممه، وتغض الطرف عن كل ما هو جيد.. وذكرني ذلك بكاميرات القنوات الأجنبية، عندما تصور سكان المقابر أو البائعين المتجولين أو سكان المناطق العشوائية في هذا البلد أو ذاك، دون النظر إلى طاقة نور، رغم أنه لا يخلو بلد في العالم من الفقراء..

فأحياء الزنوج في شيكاغو وعصابات الشوارع معلومة للجميع، بل إن هناك وجها آخر لليابان، وهو ثقافة الانتحار حيث شهد عام 2009 ما يزيد عن 33 ألف حالة، حسبما تذكر تقارير الشرط اليابانية، بمتوسط يصل إلى 90 حالة انتحار يوميا، نتيجة للاكتئاب ومشكلات تتعلق بالعمل، أو مشكلات معيشية يعاني منها البعض كأي مكان آخر في العالم، ولم يقلل ذلك من تقديري لتجربتهم، ولكن ليس إلى حد التنزيه عن الأخطاء.

وتساؤلي هو: هل من الضروري لكي أنظر بعين الرضى إلى التجربة اليابانية في برامجنا التليفزيونية، أن أنظر بعين السخط إلى عالمنا العربي؟ وهل لكي نتغنى بأمانتهم يجب أن ندلل على عدم أمانة العرب؟ في يقيني أن ما قدمه هذا البرنامج لم يكن واقعا معاشا، بقدر ما كان واقعا يريده من قدمه فقط.

وما آلمني أن بعض بني أمتنا، لأسباب نعلم بعضها ونجهل البعض الآخر، يعز عليه أن يلقي الضوء على التجارب المتميزة في العالم العربي، التي شهد بها العالم أجمع وحتى اليابانيون أنفسهم. فما رايته من حب واحترام للإمارات وتجربتها، زاد من فخري بوطننا.

ولو أن معد البرنامج قارن بين ما ذكره في حلقاته، لوجد أن لدينا أمورا كثيرة نتميز بها.. بدافع التنشئة والتربية لا بدافع المصلحة؛ في النظافة ووسائل النقل، وفن التعامل مع الآخرين، واحترام الضيف، وتوقير الكبير، وعيادة المريض، وإغاثة الملهوف، والترابط الأسري، والتكافل الاجتماعي، والعطف على الصغير.

وليس ببعيد عنا يوم أن كان المسافرون يفترشون أرضية مطارات العالم أجمع، عندما توقفت حركة الملاحة الجوية بسبب بركان أيسلندا، بينما كانت تتم استضافتهم في الإمارات معززين مكرمين في أفضل الفنادق، حتى انكشفت الأزمة، هذا في السلوك، فضلا على تجربة تنموية ناجحة شهد بها العالم لدولة حديثة استغلت مواردها في الاستفادة من تجارب الآخرين..

للدرجة التي أحدثت تغيرا في النظريات العلمية المتعلقة بمراحل عملية التنمية، أثبتتها دراسات في الغرب.. بفضل قيادة حكيمة منفتحة على العالم بكافة أعراقة ومدارسه الفكرية، مع الحفاظ على هوية شعبه وعاداته وتقاليده المستمدة من تعاليم ديننا الحنيف.

وجدت أن اليابانيين يعرفون دبي ويقدرون تجربتها، أكثر من كثيرين في منطقتنا يتحدثون بلسان عربي وينظرون بعيون غربية. وأتساءل لماذا نستمتع دائما بجلد الذات وزيادة عقدة الأجنبي عقدا عديدة؟ هل هو من طبائعنا أم لعدم القدرة على رؤية نماذج ناجحة، حتى وإن كانت على بعد خطوات منا، في الوقت الذي نطير فيه آلاف الأميال ونقدم تجارب آخرين نحترمها إلى حد التقديس؟!

بعد أن اطلعت على اليابان من الداخل، بقيت على احترامي لليابانيين وتقديري لما قاموا به، لكن زاد اعتزازي وفخري بوطني.

عميد كلية المعلومات والإعلام والعلوم الإنسانية جامعة عجمان للعلوم والتكنولوجيا

Dralkhaja@gmail.com