حين حفروا الخنادق، وسووا المتاريس، وقرأوا في كتب «الجحيم» عن أنجع الوصفات للإبادة والتعذيب، كان صوت فيروز وحيداً يرفرف فوق ضغائن المتحاربين ويهدهد النفوس المريضة. وحين كفوا عن التوحش، ورفعوا رايات السلم، بعدما أنهكوا أو احترقت أدوارهم، كان صوتها هو الملجأ الوحيد لكي يختبئوا خلفه، ويقولوا: «لا يزال لدينا وطن.. لا يزال لدينا فيروز»، على الأقل.

وعلى الأقل، كان بوسع البلد الصغير، الذي ينهار اقتصاده وينخره الفساد، أن يحتفظ بماء الوجه، الوحيد المتبقي، الصافي من دون ماكياج أو أقنعة؛ وجه فيروز، لكي يقول إنه لا يزال لدينا وطن. ألا يذكر اسمها حين يذكر اسم «لبنان»، ألم ترسم أغنياتها، حتى لو اختلفنا مع واقعيتها وتفلسفنا في التمعن بدورها، في بناء الأسطورة.. ألم ترسم صورة عاطفية مشعة لبلد، ليس «أجمال بلدان الكون».

ولا أكثرها نشراً للكتب والدوريات والأبحاث العلمية، كما لا يأتي في أدنى لائحة البلدان المصدرة للعملاء، ولا يؤمن الماء والكهرباء لسكانه، «المتحدرين، في غالبيتهم، من حضارة الفينيق المشعة».. وإذا أردنا المضي في صف اللاءات، التي لا يوفرها لبنان لأبنائه، والبديهية كما هي حقوق المواطنة والانسانية بشكل عام، من النرويج إلى دبي.. فالسياق يعجز عن استيعابها كلها.

فعلى الأقل، كان بالامكان أفضل مما كان، وأن يترك لهذا الوطن، الذي «ليست جباله الأجمل في العالم» (شخصياً أفضل جبال ايرلندا ومرتفعات بافاريا)، كما علمونا في كتب التاريخ..

وجه ناضح بالحب في فضاء يختنق بالكراهية واللهاث وراء المصالح المادية، كما تختنق بيروت في تلوث جوها بفعل عوادم السيارات المسلطة على أنفاس الشعب اللبناني ومريديه من السواح (هل جربت أن تستنشق نفساً من تحت مستديرة جسر الكولا، على سبيل المثال؟).

مثل عوادم السيارات تلك، كانت الدعوات الشخصية والقانونية (القانون في لبنان كما شخصية فضولي في مجلة ماجد الإماراتية، لا تعرف متى يطل برأسه وأين يختفي)، لمنع فيروز من الغناء، تحت عنوان ضرورة إعطاء الحقوق المادية لورثة عائلة منصور الرحباني، أحد أركان الثلاثي الفني الذي أطرب لبنان والعالم العربي، وأغنى روحه الثقافية، على مدى عقود.. تلك العوادم التي تهدف إلى خنق الاوكسيجين المتبقي في الفضاء الملوث..

إلى خنق الصوت الوحيد الذي تجاوز مفهوم الذبذبات الصوتية، ليصبح الصوت هو اللون والتذكار والفرح والغضب والحب والحياة. ليكون الصوت كائناً بذاته، أسطورياً هلامياً، يتحرك في كل مكان وزمان، لكي ينشر الطمأنينة في زمن الفوضى والزعيق وتهديم القامات. صوت فيروز الذي صدح للقدس والمحبة، لطفل يلعب وعجوز ينازع، لعاشق خائب ومغروم وله، لنهر وسماء وصحراء، لا يمكن أن تنال منه أحكام وتشريعات تحركها الآلة الحاسبة.

لا أريد أن أكون عاطفياً، ولا أريد للعقل أن يزجني، في الوقت ذاته، في متاهة الرد والرد المضاد، وحقوق عاصي في مقابل حقوق منصور، تلك العلاقة التي نجهل عنها أكثر مما نعرف، والتي تواطأنا مع صاحبيها دوماً على قبولها في خانة المثالية، بل القدسية.

ولأنهما أرادا ذلك، طوال الحياة التي عاشها كل منهما، فكان من الأولى أن نستمر على «تواطئنا» ولا «ننكش القبور»، كي لا نرى «المنامات الوحشة»، على ما يقول اللبنانيون. على الأقل، كان بوسعنا في الوقت الذي نمضي فيه جميعنا، بلا استثناء، شعباً وقيادات، بتقزيم لبنان و«مسخه»، أن نحتفي بالوحيد القادر دوماً على الإعلاء من شأنه: صوت فيروز.

ibrahimt@albayan.ae