إنها طامة كبرى ما كان ينبغي على المسؤولين الأميركيين أن يتركوها تقع، وقد أحدثت درجة كبيرة من الدمار بالمجتمع الأميركي ستمتد لأجيال وأجيال مقبلة، ومع هذا الخراب الحاصل ما زلنا نرى الحكومة الأميركية عاجزة عن فعل شيء.
أنا هنا لا أتحدث عن مشكلة شركة «بي ي» النفطية وخليج المكسيك، إنما أتحدث عن الرئيس الأميركي باراك أوباما وعن ملايين الأميركيين العاطلين عن العمل، والهوة الكبيرة بين ما ينبغي فعله للتعامل مع أزمة فرص العمل في البلاد، وما يتم فعله في الواقع.
هناك الكثير مما يمكن أن يحكيه المرء عن قصور النظام السياسي في الولايات المتحدة الأميركية، فنحن لسنا عاجزين عن تخفيض مستويات البطالة فحسب، وإنما عاجزون عن استصدار قرار لمعونة العاطلين عن العمل.
وكما أشار آرثر ديلاني الكاتب في صحيفة هافنغتون بوست، فإن فشل الكونغرس في التصرف حيال مشكلة البطالة، سيزيد عدد العاطلين عن العمل والذين لا يتلقون أية معونات، إلى 5,2 مليون عاطل عن العمل، وبهذا تكون نسبة البطالة 5,9% بحسب الأرقام الصادرة عن مكتب العمل الأميركي، ونصف هؤلاء كانوا يبحثون عن عمل خلال الشهور الستة الماضية.
والأدهى من هذا، أن السبب الوحيد للانخفاض الظاهري للبطالة بنسبة 2,0%، هو أن هناك 650 ألف موظف تركوا العمل بسبب شعورهم بالإحباط، وهؤلاء لم يتم تسجيلهم كعاطلين عن العمل، كما لم يتم احتساب العاملين بنظام الدوام الجزئي أنهم عاطلون عن العمل، وهم يأملون في أن يحصلوا يوماً ما على دوام كامل.
وفي حال تم احتساب هؤلاء، فإن عدد العاطلين عن العمل والعاملين بأجر قليل في نظام الدوام الجزئي في الولايات المتحدة سيكون 20 مليون إنسان، كما لا ننسى أن هناك ما يقرب من 700 ألف إنسان سيتم الاستغناء عن خدماتهم في الشهور القليلة القادمة، نظراً لعدم الحاجة إليهم للسنوات العشر المقبلة.
وبالإضافة إلى ذلك، فإن نظامنا يبدو عاجزاً عن اتخاذ الإجراءات الصحيحة. صحيح أن التلكؤ في صرف معونات البطالة يعود بشكل ما إلى التعقيدات التي نجمت عن استبدال السيناتور الأميركي السابق روبرت بايرد، إلا أنه ينبغي فعل شيء حيال إعادة ترتيب الأولويات لصالح أميركا بشكل عام.
يمتلك البيت الأبيض السلاح الأقوى في هذا الشأن، وهو المنبر المفوه المتمثل في شخص الرئيس أوباما، لكن لماذا لا يستخدم هذا السلاح؟ ولماذا لا يتخذ إجراءات تجعل من المستحيل على أعضاء الكونغرس عدم تمرير قرار الإعانة؟ لو أنك قلت لفريق أوباما في الأسبوع الأول لتسلمهم السلطة، إن معونات البطالة، والتي كان يتم صرفها بشكل روتيني أيام الرئيس الأميركي السابق جورج بوش، سيتم إيقافها خلال أربعين يوماً، فماذا كان سيحدث؟ لا شك أنهم سيجنون، ولكن لماذا يعتبر الأمر مقبولاً الآن بالنسبة إليهم؟
الإدارة الحالية، بدلاً من أن تتخذ إجراءات عملية لحل الموضوع، لا تنفك تذكرنا بسوء الأوضاع في السابق. يقول روبرت غيبز في هذا الصدد: «لقد شهد اقتصادنا في الشهور الأخيرة من العام 2008 فقدان 3 ملايين إنسان لعملهم، بينما نجح في توفير 600 ألف وظيفة جديدة في الشهور الستة الأولى من العام الحالي.
لا شك أنك إذا نظرت للوراء وعاودت النظر للأمام، فستكتشف أننا نسير على الطريق الصحيح». قد يكون كلامه صحيحاً في أننا نسير على الطريق الصحيح، ولكننا نفعل ذلك بسرعة الحلزون، في الوقت الذي ينبغي فيه التصرف بسرعة أكثر.
قد يكون أحد الأسباب التي تجعل الإدارة الأميركية مترددة في تطبيق طروح الجمهوريين الاقتصادية المضحكة، هو أنها طبقت الكثير منها فعلا. لذلك سمعنا وسنسمع الكثير من الهراء من أمثال ما قاله توم غيثنر أخيراً: «هذا الرئيس يفهم جيداً أن الحكومات لا توفر فرص العمل، إنما الشركات والاستثمارات هي التي توفرها».
وبخصوص الطروح المتعلقة بعجز الميزانية، يقول الصحافي دين بيكر: «كان يمكن لمصروفات البطالة لو تم إنفاذها، أن تضيف 22 مليون دولار إلى الديون الأميركية بنهاية السنة المالية 2011، وهذا يعني أن الدين سيصبح 9 مليارات و807 ملايين دولار، بدلاً من 9 مليارات و785 مليون دولار».
وأما الادعاء بأن مصروفات البطالة ستجعل الناس يركنون إلى الدعة ولا يبحثون عن عمل، فإن تقريراً صادراً عن لجنة الكونغرس الاقتصادية المشتركة يفنده.
يقول التقرير: «خلال فترة الركود الاقتصادية حالياً، لم تتأثر مستويات البطالة أو استمراريتها بصرف معونات البطالة، فتلك المعونات لا تمنع الناس من البحث عن عمل جديد، لكنها تمنع العاملين من أن يهجروا وظائفهم سعياً للحصول على معونات الإعاقة والمرض، التي تعتبر من البرامج الأكثر كلفة من برامج معونات البطالة».
بما أن البطالة هي المشكلة الأكثر إلحاحاً في الوقت الحالي التي تواجه الاقتصاد الأميركي المحلي، فقد أصبح من الصعب أن نحدد أيهما أسوأ: فكرة أن نظامنا عاجز عن التعامل مع البطالة، أم القبول الشعبي العام لفكرة أن الأمور ستبقى هكذا في الولايات المتحدة؟!
رئيسة تحرير صحيفة «هافنغتون بوست» الأميركية