هل ستضحّي الولايات المتحدة مرة أخرى بالعدالة الاقتصادية في سبيل خوض الحروب في الخارج؟ كان مارتن لوثر كينج يقول إن القنابل التي ألقيت على فيتنام انفجرت في مدن أميركا. وفي تلك الأدغال الفيتنامية خسرنا نحن الحرب على الفقر.
والآن؟ بعد ثماني سنوات على الحرب في أفغانستان، يقول نائب الرئيس جو بايدن في حوار مع برنامج «ذيس ويك» التلفزيوني إن سياستنا «ستكلل بالنجاح» لكن «هذا كله لا يزال في البدايات. ولقد كنا نعلم انه سيكون كفاحاً صعباً»؟ لذلك «من المبكر جداً الآن إطلاق الأحكام» حول أدائنا في الحرب.
ثمانية أعوام من الحرب، ومازلنا في البدايات؟ في الواقع إننا ننفق 100 مليار دولار في السنة في أفغانستان، ونتكبد خسائر بشرية متزايدة دون إحراز أي تقدم ملحوظ على الأرض. الحكومة التي ندعمها في أفغانستان معروفة بفسادها وعدم كفاءتها. وقواتنا المسلحة هناك تحاول البناء في بلد لا تتحد قبائله المتناحرة إلا لطرد الغرباء الدخلاء.
القنابل التي تلقيها الطائرات المسيّرة عن بعد في أفغانستان تسقط على مدننا هنا في أميركا. فلدينا الآن أكثر من 20 مليون عامل عاطلون عن العمل أو يعملون في وظائف أقل بكثير من مؤهلاتهم.
الولايات والدوائر المحلية تواجه موجة جديدة من الخفض الكبير في ميزانياتها، ستضطرها قريباً إلى تسريح حوالي 300 ألف مدرس وموظف في قطاع التعليم. ومعدل البطالة بين الأميركيين الأفارقة ممن لا يحملون شهادات جامعية يقارب 40 بالمئة.
نحن الآن بأمس الحاجة لتحرك الكونغرس ؟ من أجل تمديد قانون تعويضات البطالة، والحيلولة دون تطبيق التخفيضات المدمرة في ميزانيات المدارس والمدرسين والرعاية الطبية الحكومية والخدمات الأساسية، ومن أجل تمويل إعادة بناء أميركا على المستويات كافة من الجسور والقطارات السريعة إلى الشبكات الكهربائية الذكية التي ستجعل اقتصادنا أكثر قدرة على المنافسة وستشغل أعداد كبيرة من العاطلين عن العمل.
لكن الحرب تستنزف خزينتنا، وتأخذ أرواح مواطنينا وتستحوذ على انتباه قادتنا. والآن سياستنا تسير بشكل عكسي. فالمحافظون يشجبون العجز في الميزانية، ويعرقلون التحرك بشأن فرص العمل في مجلس الشيوخ.
وها هو ميتش مكونيل، زعيم الجمهوريين في الكونغرس، يقول إننا لسنا بحاجة إلى التعويض عن التخفيضات الضريبية الممنوحة للأثرياء عن تطبيق تخفيضات موازية في الإنفاق، لكنه في الوقت نفسه يقود مساعي حزبه ضد تمديد قانون تعويضات البطالة، ما لم يتم توفير تكلفتها من مكان آخر. وبينما يُمرر ملحق تمويل الحرب في أفغانستان، يتم عرقلة الملحق الرامي لحماية المدرسين من التسريح.
ويبرز الآن في عموم البلد انقساماً متنامياً بين النخب في واشنطن والشعب الأميركي. وفي استطلاع للرأي أجري أخيراً لصالح موقع «بوليتيكو» الإخباري ظهر هذا الانقسام بشكل جلي جداً، حيث عبر 27 في المئة فقط من الناس الذين يعيشون خارج العاصمة عن اعتقادهم بأن البلد يسير في الاتجاه الصحيح، في حين أن 49 في المئة من نخب واشنطن الذين استطلعت آراؤهم قالوا ان أميركا تسير في المسار الصحيح مقابل 45 في المئة قالوا إنها تسير في الاتجاه الخاطئ.
هذا الانفصام الواضح بين واشنطن والشعب الأميركي ينطوي على مدلولات خطيرة. والمفارقة ان معظم المنفصلين عن الرأي العام هم من المحافظين الجمهوريين الذين ربما يحققون مكاسب سياسية من وراء المحنة الاقتصادية التي يعيشها البلد.
ولقد عمدت الأغلبية الساحقة منهم إلى عرقلة كل ما يحاول أوباما القيام به، حيث أضعفوا خطة الإنعاش الاقتصادي وأرهقوها بالتخفيضات الضريبية الممنوحة للشرائح العليا في الطبقة الوسطى. وهؤلاء مستعدون لزيادة العجز في الميزانية من أجل مواصلة الحرب في العراق وأفغانستان والإبقاء على التخفيضات الضريبية الممنوحة للأثرياء، لكنهم يعرقلون حتى الخطوات الأساسية الرامية إلى المساعدة في إيجاد وظائف للعاطلين عن العمل.
هذا الجهد يحتاج إلى التركيز والموارد المالية والإدارية. وهذه كلها يتم استنزافها باستمرار طالما بقي جنودنا عالقين في مستنقعات حروب على الطرف الآخر من العالم. لهذا كله، فقد حان الوقت لكي يتحرك أصحاب الضمائر الحية من المواطنين الأميركيين لتوحيد كلمتهم في تحدي تلك النخب قبل فوات الأوان. في 28 أغسطس المقبل، سينظم اتحاد عمال صناعة السيارات ومنظمة «رينبو راش» الأهلية وعشرات المجموعات الأخرى مظاهرات حاشدة في ديترويت وأماكن أخرى لمطالبة الحكومة بالتحرك من أجل توفير فرص عمل.
وفي 2 أكتوبر المقبل، سينظم ائتلاف وطني موحد يضم المنظمة الأميركية الوطنية لتقدم الملونين ومنظمة «لارازا» واتحاد نقابات العمال مسيرة حاشدة في واشنطن تطالب الحكومة بالوظائف والعدالة. هذه ليست سوى البداية في «كفاح صعب» لإعادة أميركا إلى الطريق الصحيح.
مرشح سابق للرئاسة الأميركية