غريبة حال أكراد العراق.. يغنون لجميلة بوحيرد ويضعون صورتها في بيوتهم، ويحبون عبد الناصر وينسجون علاقات متينة مع فصائل الثورة الفلسطينية أيام كانت هناك ثورة، ومن تحت الطاولة علاقات لا تنفصم مع إسرائيل، وشعارات تبدو مستوحاة من تجربتها مثل «كركوك قدس الأكراد».

بعد أن ذهب صدام وخضع العراق للاحتلال انقلبت الطاولة فأصبح ما تحتها فوقها، فصارت العلاقات شبه معلنة ولم تتوقف على السياسة بل إنها تغلغلت أخيراً إلى الثقافة بصدور مجلة «إسرائيل ـ كرد» وهي مطبوعة نصف شهرية يرأس تحريرها داوود باغستاني والتي صدر عددها الأول قبل نحو عام (1 يوليو 2009).

هذه الخطوة وإن بدت معزولة عن التوجه الرسمي لحكومة إقليم كردستان إلا إنها تؤكد التاريخ السري الحافل بالمودة بين القيادة الكردية والدولة الصهيونية والذي عبرت عنه أجلى تعبير حادثة أوردها الكاتب اليهودي الأميركي شلوم نكديمون في مؤلفه «الموساد في العراق ودول الجوار».

تفاصيل الحادثة تقول إنه بعد ساعات من انتهاء حرب 1967 احتفل الملا مصطفى البرزاني بنصر إسرائيل على طريقته الخاصة حيث احضر أحد خدمه كبشا ضخما علق في رقبته شريطين أزرقين يتوسطهما شريط أبيض وكتب عليه «هنئوا إسرائيل لاحتلالها جبل البيت» ولم يتمالك البرزاني نفسه فصرخ بأعلى صوته : هنئوا إسرائيل لاحتلالها بيت المقدس ..الليلة سنذبح خروفاً قرباناً لاحتلالكم القدس.

العلاقات الحميمة بدأت بعد ثورة 1958 في العراق فقد كان الملا مصطفى البرزاني يحظى برعاية الكي جي بي وحين قامت ثورة عبد الكريم قاسم طلب منه جهاز المخابرات السوفييتي التوقف وهنا التقط الموساد الخيط وساعده جهاز السافاك الإيراني في عهد الشاه على التغلغل في أوساط القيادة الكردية وبدأت علاقات أثمرت زيارة البرزاني لإسرائيل عام 1968 وتبعتها زيارة أخرى أما جلال طالباني فكان قد سبقه إلى هناك ممثلا له مع قيادي كردي آخر عام 1962.

التاريخ بحد ذاته قد لا يبدو مهما الآن إذ إن الحاضر يحمل ما هو أكثر فهناك دعوات لإحياء أنبوب النفط الذي كان ينتهي في حيفا لتزويد إسرائيل بجزء كبير من حاجاتها النفطية وهناك وجود إسرائيلي ضخم تحت ستار تجاري وهناك خبراء يدربون البيشمرجة ودعوات لعودة اليهود الأكراد الذين هاجروا إلى إسرائيل منذ عام 1948 كانت سرية ثم أصبحت علنية بصدور «إسرائيل ـ كرد» بدعوى أن ذلك سيفسح المجال للفلسطينيين كي يعودوا.

الآن تبدو القضية الكردية كنزا لإسرائيل، فبها تستطيع إقلاق منام خصومها الإيرانيين الذين يرعون حزب الله ويجعلونه شوكة في خاصرة دولة الاحتلال، وليس هناك ما يمنع إنشاء كيان معاد للدولة الإيرانية، فالذرائع موجودة وهي حق الأكراد في تقرير مصيرهم والأرض موجودة وممهدة في جبال كردستان كما أن الحليف التركي السابق الذي بدأ يأخذ منحى مغايرا يمكن أيضا ترويضه عبر مساعدة حزب العمال وتسليحه وجعله شوكة في خاصرة رجب طيب أردوغان عله يرضخ ويعود إلى ما كان يفعله سابقوه.

كل ذلك يمكن أن يحدث برعاية أميركية وفي حماية عشرات الآلاف من الجنود والمئات من عناصر الاستخبارات التي ليس بالضرورة أن تلتزم بتنفيذ السياسات المعلنة، فهي كما أوضحت واشنطن بوست الأسبوع الماضي تحولت إلى دولة داخل الدولة. إسرائيل دولة بنيت على أسس عرقية ومن ثم فإنها لن تحس بالاستقرار إلا إذا تشظت الدول العربية عرقيا وطائفيا ومذهبيا، ويبدو أن مخططاتها تتكلل بالنجاح، فالعراق أحد الأعداء الكبار لإسرائيل يتشظى، وفي الأفق دولة في جنوب السودان، والبقية تأتي.

السؤال أين العرب من كل ما يجري؟ ربما يحمل موقع يوتيوب الجواب إذ يبث مقاطع لثري عربي ينثر عشرات الآلاف من الدولارات على صدر مطربة في أحد البارات .. ويبدو سعيداً ومنتشياً .. شكراً للتغييب الذي نعيش فيه ويعيش فينا.

magdishendi@hotmail.com