بين عامي 1948 و2007 استقبلت إسرائيل زهاء ثلاثة ملايين من يهود العالم وغادرها في هجرة معاكسة نحو20% من هذا العدد. ويبدو أن الدوائر الصهيونية المسؤولة عن تهجير اليهود واستدراجهم إلى كيانها السياسي مجبرة على تذكر العام 2007، بحسبه تاريخا يفصل بين زمني الازدهار والانحدار بالنسبة لجهودها.

فإلى بداية2007، ظل الخط البياني للهجرة مائلا لصالح كتلة الوافدين لاستيطان «إسرائيل» مقارنة بالمغادرين إياها.وكان هبوط منسوب القادمين في بعض الأوقات والمناسبات يحاور في إطار ما يمكن اعتباره مأمونا ومقبولا ولو على مضض..

هذا ما حدث مثلا إبان تفاقم العامل الأمني في ذروة الانتفاضة الثانية، حين استخدم الفلسطينيون المقاومة المسلحة بكثافة ملحوظة..إذ تناقص عدد المهاجرين إلى إسرائيل من نحو 70 ألفا إلى عام2000 إلى 43 ألفا عام 2001 ثم هبط إلى 30 ألف عام 2002، ولم يتعد 19 ألفا في العام 2003 الذي تساوت فيه أعداد القادمين والمغادرين. وقد استمر هذا التساوي قائما في الأعوام الثلاثة التالية إلى أن سجلت أرقام2007 زيادة في مجموع المغادرين بنحو ثلاثة آلاف شخص.

هناك ما يشي بأن هذه الظاهرة مازالت مستمرة إلى وقتنا الراهن، وأن كل الجهود الرامية لمواجهتها باءت بالفشل. يؤشر إلى ذلك، ضمن معطيات أخرى، التشدد الذي راحت تبديه المصادر الإسرائيلية، كوزارة الهجرة والاستيعاب، في الكشف عن البيانات الحقيقية الموصولة بأعداد القادمين والمغادرين. نعرف أن التعتيم وإشاعة الضبابية حول هذه القضية تقليد قديم.. غير أن هذه المصادر كثيرا ما جهرت بالمعلومات والأرقام الصحيحة، لاسيما في الأوقات التي كانت تشهد تفوقا واضحا في أعداد القادمين. لقد كان الإفصاح عن تلك الزيادة بمثابة إعلان عن نجاح المشروع الصهيوني وتعزيزا للثقة في قابليته كيانه السياسي للديمومة والرسوخ.

منذ العام2007 شحب هامش السماح والبوح بشأن الهجرة ما لها وما عليها إلى أضيق الحدود.لكن الدراسات الخاصة واجتهادات المحللين خارج الأطر الرسمية راحت بدورها تكسر هذا الاحتكار، فهي لاحظت مؤخرا نمو تيار الهجرة المعاكسة إلى كل من الولايات المتحدة وكندا وأوروبا بعامة، والى روسيا بالنسبة للذين جاءوا منها في العقدين الأخيرين..

وتؤكد أن ما يقرب من 40% من أبناء الشريحة العمرية الفتية (بين 25 و40 عاماً) تراودهم فكرة مغادرة إسرائيل نهائيا، بحثا عن الأمن والطمأنينة بعيدا عن دولة تعيش حالة حرب دائمة، وكذا فرارا من ضمور فرص الحياة الرغدة وانخفاض مستويي الدخول والرعاية الصحية.

ما لم تقله هذه المداخلات أن عمليات الشحن الفكري والتعبئة الإيديولوجية للمؤسسات الصهيونية الناشطة في حقل الهجرة ما عادت تؤتي أكلها كسابق عهدها.

فالمفاضلة بين الهجرة إلى إسرائيل ثم المكوث فيها وبين مغادرتها مؤقتا أو كليا، لم تعد خاضعة لنظرية العودة إلى أرض الميعاد والخلاص النهائي من دعوى اضطهاد اليهود فى عوالم الآخرين.. وإنما صارت هذه المفاضلة أكثر حساسية للدوافع المادية البحتة وما يمكن للهجرة أن توفره أو تحجبه من متاع الحياة الدنيا.

في يونيه الماضي أعدت وكالة الأنباء الفرنسية تحقيقا حول الهجرة اليهودية وتحولاتها؛ اعترف فيه بعض مغادري إسرائيل إلى ألمانيا بأنهم ودعوا حلم أرض الميعاد ووعوده إلى حيث الخدمات الحياتية التي تهيئها لهم الحكومة الألمانية. وقد أورد التحقيق أن كلفة هذه الخدمات بلغت 18 مليار يورو خلال السنوات العشر الأخيرة.

الشاهد أن زمن المهاجر اليهودي المستعد لامتشاق البندقية في إحدى يديه والفأس في اليد الأخرى ولى أو في سبيله إلى أن يولى تماما.وإذا ما استمر الحال على هذا المنوال فربما كانت الهجرة المعاكسة من جانب وضعف معدل النمو السكاني الذاتي من جانب آخر، ضمن الأسباب التي قد تكره المفاوض الاسرائيلى على النظر لحاضر كيانه السياسي ومستقبله بعيون مغايرة، ملؤها الريبة وعدم اليقين.

كاتب وأكاديمي فلسطيني

mohamedalazzar@hotmail.com